الصفحة 46 من 233

وقولُه: ( قَلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُوني يَحْبِبْكُمُ اللهُ ويغفر لكم ذنوبكم) ، وقَوْلُهُ: ( من يرتد منكم عن دينه فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أذلة على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومةَ لائم) . [1]

(1) قولُه -سُبْحَانَهُ- وتعالى: (قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) . قالَ الحسنُ: ادَّعى قومٌ أنَّهم يُحِبِّون اللهَ فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ مِحْنَةً لهم، فهذه الآيةُ فيها دليلٌ على أنَّ مَن ادَّعى ولايةَ اللهِ ومحبَّتَه وهو لم يَتَّبِعْ ما جاءَ به رسولُه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فليسَ من أولياءِ اللهِ، بل من أولياءِ الشَّيطانِ، وفيها أنَّ علامةَ ودليلَ محبَّةِ الله هو اتِّباعُ رسولِهِ، وأنَّ مَن اتَّبعَ الرَّسولَ حصلَتْ له محبَّةُ اللهِ، قال بعضُ السَّلفِ: ليس الشَّأنُ أنْ تُحِبَّ، إنَّما الشَّأنُ أن تُحَبَّ، وفيها إثباتُ المحبَّةِ من الجانبينِ، فمحبَّةُ اللهِ لأنبيائِه ورسلِه وعبادِه الصَّالحين صفةٌ زائدةٌ على رحمتِه وإحسانِه وإعطائِه، فإنَّ ذلك أثرُ المحبَّة وموجبُها، فإنَّ اللهَ لمَّا أَحَبَّهم كان نصيبُهم من رحمتِه وإحسانِه أَتَمَّ نصيبٍ.

هذا قولُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، وأمَّا الجهميَّةُ والمعتزلةُ فعكسُ هؤلاءِ، فإنَّه عندَهم لا يُحِبُّ ولا يُحَبُّ، ولم يمكنْهم تكذيبُ النُّصوصِ المتكاثرةِ في إثباتِ المحبَّةِ من الجانبينِ، فَأَوَّلُوا نصوصَ محبَّةِ العبادِ له على محبَّةِ طاعتِه وعبادتِه، وأوَّلوا نصوصَ محبَّتِه لهم بإحسانِه إليهم، وإعطائِهم الثَّوابَ، ونحوِ ذلك من التَّأويلاتِ الفاسدةِ، المصادمةِ لأدلَّةِ الكتابِ والسُّنَّةِ الكثيرةِ في إثباتِ المحبَّةِ من الجانبينِ.

قال ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ: وجميعُ طرقِ الأدلَّةِ عقلًا ونَقْلا وفطرةً وقياسًا وذوقًا واعتبارًا ووجدانًا تدلُّ على إثباتِ محبَّةِ العبدِ لربِّه، والرَّبِّ لعبدِهِ، وقد ذَكَرنا لذلك قريبًا من مائةِ دليلٍ في كتابِنا الكبيِرِ في المحبَّةِ. اهـ.

قولُه: (مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ) : أي يرجعُ، والرَّدُّ لغةً: الرُّجوعُ.

وشرعًا: هو الَّذي يكفرُ بعدَ إسلامهِ نُطقًا أو اعتقادًا أو شكًّا أو فِعلًا.

قولُه: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) : أي مَنْ تولَّى عن نُصرةِ دينِه وإقامةِ شريعتِهِ فإنَّ اللهَ يستبدلُ به مَنْ هو خيرٌ منه وأَقومُ سبيلًا، كما قال تعالى: (وَإِنْ تَتَوَلَّوا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَالَكُم) الآيةَ، والقومُ: الجماعةُ من النَّاسِ.

قولُه: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) : أي: أهلِ رقَّةٍ وتواضعٍ للمؤمنينَ، قال عطاءٌ: للمؤمنينَ كالولدِ لوالدِه، والعبدِ لسيِّدِه، وعلى الكافرين كالأسدِ على فريستِه.

قولُه: (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) : أي أهلِ غلظةٍ وشدَّةٍ على الكافرين، وهذه من صفاتِ المؤمنينَ، كما قالَ سُبْحَانَهُ: (مَّحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) وفي صفةِ رسولِ اللهِ: أنَّه الضَّحوكُ القتَّالُ، فهو ضحوكٌ لأوليائِه، قتَّالٌ لأعدائِه.

قولُه: (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) : أي بأموالِهم، وأنفسِهِم، وألسنتِهم، وذلك تحقيقُ دعْوى المحبَّةِ، والجهادُ لغةً: بَذْلُ الطَّاقةِ والوُسْعِ. وشرعًا: قتالُ الكفَّارِ، وقد تَكاثَرتِ الأدلَّةُ على فضلِ الجهادِ والحثِّ عليه.

قوله: (وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) : أي لا تَأْخُذهم في اللهِ لومةُ لائمٍ، وهذا علامةُ صِحَّةِ المحبَّةِ، أي لا يَرُدُّهم عن مَا هُمْ فيه من طاعةِ اللهِ ورسولِه رَادٌّ، ولا يَصُدُّهم عنهم صَادٌّ، ولا يَخافونَ في ذلك لومةَ لائمٍ، ولا عَذْلَ عَاذِلٍ، كما روى الإمامُ أحمدُ من حديثِ أبي ذرٍّ قال: أَمَرَنِي خَلِيلِي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- بِسَبْعٍ: أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِيِن وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أنْظُرَ إِلى مَنْ هُوَ دُونِي وَلاَ أَنْظُرَ إِلى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لاَ أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ الحقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَنْ لاَ أَخَافَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لاحَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت