الصفحة 47 من 233

(ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ... ) . [1]

(1) قولُه: (ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) : أي مَن اتَّصفَ بهذه الصِّفاتِ فإنَّما هو مِنْ فضلِ اللهِ عليه وتَوْفيقِه له.

قولُه: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) : أي واسعُ الفضلِ، عليمٌ بمَن يَستحقُّ ذلك مِمَّنْ يَحْرِمُهُ إيَّاه، أفادت هذه الآيةُ: إثباتَ المحبَّةِ حقيقةً من الجانبَينِ، خلافًا للمبتدعةِ من الجهميَّةِ والمعتزلةِ، ومَن سلكَ سبيلَهم، وأفادتْ هذه الآيةُ التَّحذيرَ عن معصيةِ اللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- وأنَّ الكافرَ والعاصيَ لم يضرَّ إلا نفسَه، وأفادت عظيمَ قُدرتِه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- في أنَّ مَن تَوَلَّى عن دينِه وأَعْرَضَ عنه فإنه يَسْتَبدِلُ به غيرَه، وأفادتْ أنَّ هذه الأربعَ من صفاتِ المؤمنينَ، وهي: الحبُّ في اللهِ، والبغضُ في اللهِ, والجهادُ في سبيلِ اللهِ، والقيامُ بأمرِه علىالكبيرِ والصَّغيرِ والقريبِ والبعيدِ، وأفادتْ أيضًا إثباتَ فعلِ العبدِ حقيقةً، كما أفادت أنَّ الأعمالَ الصَّالحةَ سببٌ للسَّعادةِ، كما قال تعالى (جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) وأنَّ ذلك من فضْلِه -سُبْحَانَهُ- وتوفيقِه، كما في الصَّحيحِ: (( لَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ ) )قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَارَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (( وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَتِهِ ) ). وفيها أيضًا وجوبُ إفرادِه -سُبْحَانَهُ- بالمحبَّةِ، فإنَّ محبَّتَه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- هي أصلُ دينِ الإسلامِ، فَبِكَمَالها يكملُ دينُ العبدِ وبنقِصهَا ينقصُ.

قال ابنُ رجبٍ رحمه اللهُ تعالى: وقد عُلِمَ أنَّ العبادةَ إنما تَنْبَني على ثلاثةِ أصولٍ: الخوفِ والرَّجاءِ والمحبَّةِ، وكلُّ منها فرضٌ لازمٌ، والجمعُ بين الثَّلاثةِ حتمٌ واجبٌ، ولهذا كانَ السَّلفُ يَذُمُّونَ مَن تَعَبَّدَ بواحدٍ منها دونَ الآخرِ. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت