فهرس الكتاب
وقولُهُ سبحانه وتعالى ( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذينَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ) ، وقَوْلُهُ: ( وَهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ ) [1]
(1) قولُه: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذينَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِهِ) : أي يُجاهدون في سبيلِ اللهِ بأموالهِم وأنْفُسهِم في إعلاءِ كلمةِ اللهِ -سُبْحَانَهُ- وتعالى.
قولُه: (صَفًّا) : أي يَصُفُّون أنفسهَم عندَ القتالِ صفًّا، ولا يَزُولُون عن أماكِنهم، كأنَّهم بُنيانٌ مَرْصُوصٌ قد رُصَّ بعضُه ببعضٍ، أي أُلزِقَ بعضُه ببعضٍ وأُحْكِمَ، فليس فيه فرْجةٌ ولا خللٌ. روى الإمامُ أحمدُ من حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي اللهُ عَنْهُ قال: قال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( ثلاثةٌ يَضْحَكُ اللهُ إِليْهِمْ: الرَّجُلُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ، وَالْقَوْمُ إِذَا صَفُّوا لِلصَّلاَةِ، والقَوْمُ إِذَا صَفُّوا لِلقِتَالِ ) )رواه ابنُ ماجةَ.
أفادتْ هذه الآيةُ: فضلَ الجهادِ في سبيلِ اللهِ والحثَّ عليه، وأفادَت النَّدبَ إلى الصُّفوفِ في القتالِ، وأفادتْ إثباتَ المحبَّةِ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- وهو قولُ جميعِ السَّلفِ، وأنكرتِ الجهميَّةُ حقيقةَ المحبَّةِ من الجانِبينِ، زعمًا منهم أنَّ المحبَّةَ لا تكونُ إلا لمُناسبةٍ بين المُحِبِّ والمحبوبِ، وأنَّه لا مُناسبةَ بينَ القديمِ والمُحْدَثِ تُوجِبُ المحبَّةَ، وهذا القولُ باطلٌ تَرُدُّه أدلَّةُ الكتابِ والسُّنَّةِ المُتكاثرةُ.
قولُه: (الغَفُورُ) : من أَبْنِيَةِ المبالغةِ، أي كثيرُ المغفرةِ، وأصلُ الغَفْرِ السَّترُ، ومنه المِغْفرُ فهو -سُبْحَانَهُ وتعالَى- يَغفرُ لمَن تابَ إليه، أي يَسترُ ذنوبَه ويتجاوزُ عن خطاياه.
قال ابنُ رجبٍ رحمهُ اللهُ تعالى: المغفرةُ مَحْوُ الذَّنبِ وإزالةُ أثرهِ ووقايةُ شرِّهِ، ومنه المِغْفرُ لِما يَقي الرَّأسَ من الأذَى، لا كما ظنَّه بعضُهُم السَّترُ، فالعِمامةُ لا تُسمَّى مِغْفَرًا مع سترِها، فلا بُدَّ في لفظِ المغفرِِ من الوقايةِ. انتهى.
والغَفُورُ أبلغُ من الغَافِرِ، لأن فَعولَ موضوعٌ للمبالغةِ، والغَفَّارُ، أي السَّتَّارُ لذنوبِ عبادهِ أبلغُ من الغفورِ، لأنَّه للتَّكثيِرِ من غيرِ حَصْرٍ، وقد جاءَ في التَّنزيلِ: الغَفورُ والغَفَّارُ والغَافِرُ.
قولُه: (الوَدُودُ) : من الوُدِّ: وهو خالصُ الحبِّ وألطفُه وأرقُّه، والودودُ من صفاتِ اللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- أصلُه من المودَّةِ، أي المُتَوَدِّدُ إلى عبادهِ بنعمِهِ، الَّذي يودُّ مَن تابَ إليه وأَقْبَلَ عليه، وهو أيضًا الوَدودُ، أي المحبوبُ. قال البخاريُّ في صحيحِه: الودودُ الحبيبُ، والتَّحقيقُ: أنَّ اللفظَ يدلُّ على الأمريْنِ، على كونِه وادًّا لأوليائِه، ومودودًا لهم. انتهى. مِن كلامِ ابنِ القيِّم باختصارٍ.