فهرس الكتاب
وقَوْلُهُ: (كلُّ مَنْ عليْهَا فانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ ) . [1]
(1) قَولُهُ: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) : أي كلُّ مَن على الأرضِ يُعْدَمُ ويَمُوتُ، ويبقى وجهُه سُبْحَانَهُ، قال الشَّعبيُّ رحمه اللهُ: إذا قرأتَ قَولَهُ: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) فلا تسكتْ حتَّى تقرأَ قَولَهُ: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ) وهذا مِن فقهِهِم في القرآنِ، وكمالِ علمِهِم؛ إذ المقصودُ الإخبارُ بفناءِ مَنْ عليها مع بقاءِ وجههِ، فإنَّ الآيةَ سِيقتْ لبيانِ تَمَدُّحِهِ -سُبْحَانَهُ- بالبقاءِ وحدَه، ومجرَّدُ فناءِ الخليقةِ ليسَ فيه مدحٌ، إنَّما المدحُ في بقائِه -سُبْحَانَهُ- بعد فناءِ خلقهِ، فهي نظيرُ قَولِهِ سُبْحَانَهُ: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ) . انتهى. مِن كلامِ ابنِ القيِّمِ.
قَولُهُ: (وَجْهُ رَبِّكَ) : فيه إثباتُ صفاتِ الوجهِ للهِ، وهو مِن الصِّفاتِ الذَّاتيَّةِ كالسَّمْعِ والبصرِ واليدينِ وغيِرِ ذلك من الصِّفاتِ، فعلى العبادِ الإيمانُ بها، والتَّسليمُ واعتقادُ أنَّها حقيقةٌ تليقُ بجلالِ اللِه وعظمتِه، وعلى هذا مَضَى الصَّحابةُ والتَّابعونَ والأئمَّةُ.
قَولُهُ: (ذُو الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ) : أي ذو العظمةِ والكبرياءِ.
قَولُهُ: (وَالإِكْرَامِ) : أي المُكرِّمِ لأنبيائِه وعبادِه الصَّالحين، وقيلَ: ذو الجلالِ أيْ: هو المستحِقُّ لأنْ يُجَّلَ ولأنْ يُكَرَمَ، والإجلالُ يتضمَّنُ التَّعظيمَ، والإكرامُ يتضمَّنُ الحمدَ والمحبَّةَ، وقد قالَ بعضُ السَّلفِ: لا يَهديَّنَّ أحدُكُم للهِ ما يستحي أحدُكُم أنْ يهديَهُ لكريمِه، فإنَّ اللهَ أكرمُ الكُرماءِ، أي هو أحقُّ مِن كلِّ شيءٍ بالإكرامِ، إذ كانَ أكرمَ مِن كلِّ شيءٍ، وقالَ أيضًا: وإذا كان مستحقًّا للإجلالِ والإكرامِ لَزِم أنْ يكونَ متَّصفًا في نفسِه بما يوجبُ ذلك، كما إذا قالَ الإلهُ: هو المستحِقُّ لأنَّه يؤلَّهُ أي يُعبدُ، كان هو في نفسِه مستَحِقًّا لما يوجبُ ذلك، والإجلالُ من جنسِ التَّعظيمِ، والإكرامُ من جنسِ الحُبِّ والحمدِ، وهذا كقَولِهِ: (لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) فله الإجلالُ وله الإكرامُ والحمدُ. انتهى. مِن كلامِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ.