الصفحة 57 من 233

وقَوْلَهُ: ( ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالغَمَامَ ونُزِّلَ المَلاَئِكَةُ تَنْزِيلًا ) . [1]

(1) قَولُهُ: (ويَوْمَ تَشَقَّقُ) : المرادُ باليومِ يومُ القيامةِ، وتشقُّقُ السَّماءِ أي: انفطارُها.

قَولُهُ: (بِالغَمَامِ) : أي يخرجُ منها الغمامُ، وهو السَّحابُ الأبيضُ، وحينئذٍ تنزلُ الملائكةُ إلى الأرضِ فيحيطونَ بالخلائقِ في مقامِ المحشرِ، ثمَّ يجيءُ الرَّبُّ لفصلِ القضاءِ بين عبادِه، فهذه الآياتُ أفادتْ إثباتَ المجيءِ والنُّزولِ والإتيانِ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- كما يليقُ بجلالِه وعظمتِه، وهذه من صفاتِه -سُبْحَانَهُ- الفعليَّةِ، فيجبُ إثباتُ جميعِ الصِّفاتِ الواردةِ في الكتابِ والسُّنَّةِ، كما أثبتَها اللهُ -سُبْحَانَهُ- لنفسِه، وأَثْبَتها له رسولُه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، مِن غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومِن غيرِ تكييفٍ ولا تمثيلٍ، ودلَّتْ هذه الآياتُ أيضًا على أنَّ نزولَهُ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- وإتيانَهُ ومجيئَهُ ونحوَ ذلك من أفعالِه أنَّه حقيقةٌ كما يليقُ بجلالِه وعظمتِه، إذِ الأصلُ الحقيقةُ ولا صارِفَ عن ذلك، خلافًا لأهلِ البدعِ، ودلَّتْ على أنَّه نزولٌ وإتيانٌ ومجيءٌ بذاتِه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- كما يليقُ بجلالِه وعظمتِه، خلافًا لأهلِ البدعِ الَّذين ينفونَ ذلك، ويؤَوِّلونَ مجيئَه بمجيءِ أمرِه، ونزولَه بِنزولِ رحمتِه، أو بعضِ ملائكتِه ونحوِ ذلك، ويقولونَ هذا مجازُ حذفٍ، والتَّقديرُ في: (وَجَاءَ رَبُّكَ) : أي أمرُه، ويَنزِلُ ربُّنَا أي: أمرُه أو بعضُ ملائكتِه أو رحمتِه ونحوُ ذَلك من التَّأويلاتِ الفاسدةِ، ولا شَكَّ في بُطلانِ هذه التَّأويلاتِ ومصادمتِها أدلَّةَ الكتابِ والسُّنَّةِ الصَّريحةِ وما عليه أهلُ السُّنةِ والجماعةِ.

قالَ ابنُ القيِّمِ رحمَهُ اللهُ تعالى في (الصَّواعقِ المُرسَلَةِ) : وممَّا ادَّعَوا فيه المجازَ قَولُهُ: (وَجَاءَ رَبُّكَ) ، (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ) ، قالوا: هذا مجازُ الحذفِ، تقديرُه وجاء أمرُ ربِّكَ، وهذا باطلٌ من وجوهٍ:

أحدِها: إنَّه إضمارُ ما لا يدلُّ عليه اللَّفظُ بمطابقةٍ ولا تضمُّنٍ ولا لزومٍ، وادِّعاءُ حذفٍ بلا دليلٍ يرفعِ الوثوقِ مِن الخطابِ، وساقَ وجوهًا عديدةً في إبطالِ دَعْواهم المجازَ، وساقَ الأدلَّةَ الكثيرةَ الصَّريحةَ الدَّالَّةَ على أنَّه مجيءُ حقيقةٍ بذاتِه سُبْحَانَهُ. ا هـ.

والإتيانُ والمجيءُ المضافُ إليه -سُبْحَانَهُ- نوعانِ: مطلقٌ ومقيَّدٌ، فإذا كانَ مجيءُ رحمتِه أو عذابِه ونحوِ ذلكَ قُيِّدَ بذلك، كما في الحديثِ: (( حَتَّى جَاءَ اللهُ بالرَّحَمَةِ والخَيْرِ ) )وقَولُهُ: (وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ) . النَّوعُ الثَّاني: الإتيانُ والمجيءُ المطلقُ فهذا لا يكونُ إلاَّ مجيئَه -سُبْحَانَهُ- كقَولِهِ: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ) ، وقَولُهُ: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) . انتهى. من الصَّواعقِ ملخَّصًا.

وأفادتْ هذه الآياتُ إثباتَ أفعالِه -سُبْحَانَهُ- الاختياريَّةِ، فالإتيانُ والنُّزولُ والمجيءُ والاستواءُ، والارتفاعُ والصُّعودُ كلُّها أنواعُ أفعالِه، وهو فَعَّالٌ لِما يريدُ، وأفعالُه كصفاتِه قائمةٌ به سُبْحَانَهُ، ولولا ذلكَ لم يكنْ فَعَّالًا ولا موصوفًا بصفاتِ كمالِه، وأفعالُه سُبْحَانَهُ: نوْعَان: لازمةٌ، ومتعدِّيةٌ، كما دلَّتِ النُّصوصُ الَّتي هي أكثرُ مِن أنْ تُحصرَ على إثباتِ النَّوعين، وأنَّها حقيقةٌ ليست بمجازٍ، وليست كأفعالِ المخلوقِ، فصفاتُه -سُبْحَانَهُ- تليقُ به، أمَّا المبتدعةُ فإنَّهم نَفَوْا أفعالَه، فزعمُوا أنَّها مجازٌ، فوقَعوا في مَحذورينِ: محذورِ التَّشبيهِ، ومحذورِ التَّعطيلِ، انتهى مِن كلامِ شيخِ الإسلامِ.

وفي هذه الآياتِ دليلٌ على إثباتِ علُوِّ اللهِ على خلقِه، لأنَّه لا يمكنُ أَنْ يأتيَ إلا مِن جهةِ العُلوِّ، وذكَرهُ ابنُ القيِّمِ أحدَ الطُّرقِ في إثباتِ العلوِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت