فهرس الكتاب
وقَوْلُهُ: ( مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) . [1]
(1) قَولُهُ: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) : أي يقولُ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- مخاطِبًا لإبليسَ لَمَّا امتنَعَ من السُّجودِ لآدمَ: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) أي إنَّه -سُبْحَانَهُ- باشرَ خلقَه بيدهِ، كما في الحديثِ: (( لَمْ يَخْلُقِ اللهُ بِيَدِهِ إلاَّ ثَلاَثًا خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ ) )الحديثَ، ففيه إثباتُ اليدينِ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى-، وأنَّهما يدانِ حقيقةً لائقَتانِ بجلالِه وعظمتِه، وفيها الرَّدُّ على مَن زعمَ غيرَ ذلك ممَّن صادمَ أدلَّةَ الكتابِ والسُّنَّةِ، واتَّبعَ هواهُ وعطَّلَ هذه الصِّفةَ، وزعم أنَّ المرادَ باليدِ القدرةُ أو النِّعمةُ كما تقَولُهُ الجهميَّةُ والمعتزلةُ وأشباهُهم، وهذا التَّأويلُ الَّذي زعَموه تأويلٌ فاسدٌ مصادمٌ لأدلَّةِ الكتابِ والسُّنَّةِ المتكاثرةِ الصَّريحةِ في إثباتِ اليدينِ صفةً للهِ سُبْحَانَهُ وتعالى، فلو كانَ المرادُ باليدِ القدرةَ لوجبَ أنْ يكونَ له -سُبْحَانَهُ- قُدرتانِ، وقدْ أجمعَ المُسلمون على أنَّه لا يجوزُ أَنْ يكونَ له قُدرتانِ، وكذلكَ لا يجوزُ أنْ يُقَالَ خَلَقَ آدمَ بِنعمَتين؛ لأنَّ نِعَمَ اللهِ على آدمَ وغيرِه لا تُحصى.
قال ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ تعالى: وَردَ لفظُ اليدِ في الكتابِ والسُّنَّةِ وكلامِ الصَّحابة والتَّابعِين في أكثرَ مِن مائةِ موضعٍ ورودًا متنوِّعًا متصرَّفًا فيه مَقرونًا بما يدلُّ على أنَّها يدٌ حقيقةً من الإمساكِ والطَّيِّ والقبضِ والبسطِ والنَّضحِ باليدِ والخلقِ باليدين والمباشرةِ بهما، وكتبَ التَّوراةَ بيدِه وغرسَ جنَّةَ عدنٍ بيدِه.
وقَولُهُ: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) : فقطعَ بالضَّرورةِ أنَّ المرادَ يدُ الذَّاتِ، لا يدُ القدرةِ والنِّعمةِ، فإنَّ السِّياقَ والتَّركيبَ لا يحتملُه ألبتَّةَ، انتهى.
وقد ردَّ ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ على المبتدِعةِ الَّذين عطَّلُوا صفةَ اليدِ، وزعموا أنَّ المرادَ باليدِ: القدرةُ أو النِّعمةُ، أو غيرُ ذلك من التَّأويلاتِ الفاسدةِ من وجوهٍ عديدةٍ أنهاها إلى عِشرينَ وجهًا، وساقَ الأدلَّةَ الكثيرةَ الصَّريحةَ في إثباتِ اليدِ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- حقيقةً، كما يليقُ بجلالِه وعظمتِه.