الصفحة 61 من 233

( وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) . [1]

(1) قَولُهُ: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) : قال ابنُ عبَّاسٍ: المرادُ بُخْلُه. فالغلُّ كنايةٌ عن البُخْلِ.

قَولُهُ: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) : أي أمسكتْ عن الخيرِ.

وقَولُهُ: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) : أي بالفضلِ والعطاءِ، فهذه الآيةُ كسابقتِهَا فيها إثباتُ صفةِ اليدَينِ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- كما يليقُ بجلالِه وعظمتِه، فعلينا أنْ نُثبتَ له -سُبْحَانَهُ وتعالَى- ذلك، كما أثْبتَه لنفسِه وكما أثبَته له رسولُه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، وهذا مَذهبُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، وفي حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو: (( إنَّ اللهَ لَمْ يُبَاشِرْ بِيدِهِ أَوْ لَمْ يَخْلُقْ بِيَدِهِ إلاَّ ثَلاَثًا: خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَغَرَسَ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، وكَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ ) ).

وقال ابنُ القيِّمِ رحمَه اللهُ تعالى: هل يصحُّ في عقلٍ أو نقلٍ أو فطرةٍ أنْ يُقَالَ لم يخلقْ بقدرتِه إلا ثلاثًا، أو لم يخلقْ بنعمتِه إلاَّ ثلاثا؟ وأيضًا فلو كانَ المرادُ به ههنا القدرَةَ لبَطلَ تخصيصُ آدمَ، فإنَّه وجميعَ المخلوقاتِ حتَّى إبليسَ مخلوقٌ بقدرتِه، فأيُّ مزيَّةٍ لآدمَ على إبليسَ في قَولِهِ: (أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) . اهـ.

وقال البيهقِيُّ في كتابِ (الأسماءِ والصِّفاتِ) ، (( بابُ ما جاءَ في إثباتِ اليدينِ صِفتينِ، لا مِن حيثُ الجارحةُ ) )فذكَرَ الآياتِ ثمَّ قال: قالَ بعضُ أهلِ النَّظرِ: قد تكونُ اليدُ بمعنى القوَّةِ، كقَولِهِ (ذُو الأَيْدِ والأَبْصَارِ) ، أي ذو القوَّةِ، وبمعنى المُلكِ والقدرةِ والنِّعمةِ، وتكونُ صلةً أي زائدةً، ثمَّ أبطلَ البيهقيُّ ذلك كلَّه، وأثبتَ أنَّ اليدينِ صِفتانِ تعلَّقتا بخلقِ آدمَ تشريفًا له، دون إبليسَ تعلُّقَ القَدَرِ بالمقدورِ، لا مِن طريقِ المُباشرةِ ولا مِن حيثُ المماسَّةُ، وليس لذلك التَّخصيصِ وجهٌ غيرَ ما بيَّنَه بقَولِهِ: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) . اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت