الصفحة 62 من 233

وقولُهُ: ( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بأَعْيُنِنا ) . [1]

(1) قَولُهُ: (وَاصْبِرْ) : الصَّبرُ لغةً: الحبسُ والمنعُ، وهو حبسُ النَّفْسِ عن الجزعِ، وحبسُ اللسانِ عن التَّشكِّي والتَّسخُّطِ، وحبسُ الجوارحِ عن لطمِ الخدودِ وشقِّ الجيوبِ، وذكره ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ تعالى، أفادت الآيةُ وجوبَ الصَّبرِ قال ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ تعالى: هو واجبٌ بالإجماعِ، انتهى.

وينقَسِمُ الصَّبرُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:

صبرٍ على طاعةِ اللهِ، وصبرٍ عن معصيةِ اللهِ، وصبرٍ على أقدارِ اللهِ المؤلمةِ.

زاد الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ ابنُ تيميةَ رحمه اللهُ: وصبرٌ على الأهواءِ المضلَّةِ، والنَّوعانِ الأوَّلان أفضلُ من الأخيرِ، وهو الصَّبرُ على أقدارِ اللهِ المؤلمةِ، صرَّحَ بذلك السَّلفُ منهم سعيدُ بنُ جبيرٍ وميمونُ بنُ مِهرانَ وغيرُهما، والنَّوعُ الأوَّلُ أفضلُ من النَّوعِ الثَّاني.

قال ابنُ رجبٍ رحمه اللهُ: وأفضلُ أنواعِ الصَّبرِ: الصِّيامُ، فإنَّهُ يجمعُ أنواعَ الصَّبرِ الثَّلاثةَ.

قال ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ في كتابِ (( المدارجِ ) ): وتمامُ الصَّبرِ أنْ يكونَ كما قال اللهُ: (وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ) الآيةَ وأقواه أَنْ يكونَ باللهِ معتَمِدًا عليه لا على نفسِه، ولا على غيرِه من الخلقِ. انتهى.

وقد تكاثرتِ الأدلَّةُ على الحثِّ على الصَّبرِ والتَّرغيبِ فيه والثَّناءِ على أهلِه، قال الإمامُ أحمدُ: ذكرَ اللهُ الصَّبرَ في تِسعين موضعًا من كتابِهِ، وفي الآيةِ إثباتُ صفةِ الحُكمِ للهِ -سُبْحَانَهُ- وتعالى، وقد تقدَّمتِ الإشارةُ إلى تقسِيمِه إلى قِسمينِ: حُكمٌ شرعِيٌّ دينيٌّ، وحكمٌ قدريٌّ كونيٌّ، فالشَّرعيُّ متعلِّقٌ بأمرِه، والكونيُّ متعلِّقٌ بخلقِه وهو -سُبْحَانَهُ- له الخَلْقُ والأمرُ، وحكمُه الدِّينيُّ الطَّلبيُّ نوعان بحسبِ المطلوبِ، فإنَّ المطلوبَ إنْ كانَ محبوبًا له فالمطلوبُ فِعلُه إمَّا وجوبًا وإمَّا استحبابًا، وإن كانَ مبغوضًا له فالمطلوبُ تركُه إمَّا تحْريما وإمَّا كراهةً، وذلك أيضا موقوفٌ على الصَّبرِ، فهذا حكمُه الدِّينيُّ الشَّرعيُّ، وأمَّا حكمُه الكونيُّ -وهو ما يقتَضِيه وما يقدِّرُه على العبدِِ من المصايبِ الَّتي لا صُنْعَ له فيها- فغرضُه الصَّبرُ عليها، وفي وجوبِ الرِّضا بها قولانِ للعُلماءِ أصحُّهما: إنَّه مستحَبٌّ. فرجعَ الدِّينُ كلَُّه إلى هذهِ القواعدِ الثَّلاثِ: فِعْلُ المأمورِ وتركُ المحظورِ، والصَّبْرُ على المقدورِ، انتهى. مِن كلامِ ابنِ القيِّمِ.

قَولُهُ: (فَإِنَّكَ بأَعْيُنِنا) : أي بِمَرأى منَّا، وتحتَ حفظِنا وكَلاَءَتِنَا (واللهُ يعصِمُكَ مِن النَّاس) ِ.

قال ابنُ القيِّمِ رحمَه اللهُ: وهذا يتضمَّنُ الحِراسةَ والكلاءةَ والحِفظَ للصَّابرِ لحكمِه -سُبْحَانَهُ وتعالى-، وفيها معيَّةُ اللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- للصَّابرِ لحكمِه -سُبْحَانَهُ- وحفظُه، وفيها إثباتُ فعلِ العبدِ حقيقةً، وأدلَّةُ ذلك أكثرُ مِن أن تُحصرَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت