الصفحة 63 من 233

وقولُه: ُ ( وَحَمَلْنَاهُ عَلى ذَاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ. تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) ،وقولُهُ: (وأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي. وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) . [1]

(1) قَولُهُ: (وَحَمَلْنَاهُ) : أي نوحٌ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.

قَولُهُ: (عَلى ذَاتِ أَلْواحٍ) : أي على سفينةٍ ذاتِ ألواحٍ، المرادُ خشبُ السَّفينةِ العريضُ.

قَولُهُ: (وَدُسُرٍ) : أي المساميرُ الَّتي تُشدُّ بها الألواحُ، يقال: دَسَرْتُ السَّفينةَ، إذا شددتُها بالمساميرِ.

قَولُهُ: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنا) : أي بأمرِنا بمَرْأى منَّا تحت حفظِنا وكلاءتِنا، والنَّونُ للتَّعظيمِ.

قَولُهُ: (جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) : أي جزاءً لهم على كُفرهِم، وانتصارًا لنوحٍ عليه السَّلامُ عليهم.

قَولُهُ: (وأَلْقَيْتُ) : أي وَصَنعتُ (عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي) : أي إنَّ اللهَ أحبَّه وحبَّبهُ إلى خلقِه.

قَولُهُ: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) : أي بِمَرأى ومنظرٍ منِّي، والمعنى أنَّ اللهَ أحبَّ موسى وحبَّبه إلى خلقِه، وربَّاه بِمَرأى منه سُبْحَانَهُ.

قال ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ تعالى: والفرقُ بين قَولِهِ: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) ، وقَولُهُ: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنا) أنَّ الآيةَ الأولى وردَتْ في إظهارِ أمرٍ كان خفيًّا، وإبداءِ ما كانَ مكتُومًا، فإنَّ الأطفالَ إذْ ذاك كانوا يتغذَّون ويُصنعُونَ سِرًّا، فلمَّا أرادَ أنْ يُصنعَ موسى ويُغذَّى ويُربَّى على حالِ أمْنٍ وظهورٍ دخلت (على) في اللفظِ تَنبيهًا على المعنى، لأنَّها تُعطي الاستعلاءَ، والاستعلاءُ ظهورٌ وإبداءٌ، فكأنَّه يقولُ: وتُصنعُ على أمْنٍ لا تحتَ خوفٍ، وذَكرَ العينَ لتضمُّنِها معنى الرِّعايةِ والكلاءةِ، وأمَّا قَولُهُ: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنا) فإنَّه يريدُ برعايةٍ منَّا وحفظٍ، ولا يريدُ إبداءَ شيءٍ ولا إظهارَه بعد كتمٍ، فلم يحتجْ في الكلامِ إلى مَعنى (على) بخلافِ ما تقدَّمَ. اهـ.

وفي هذه الآيةِ الكريمةِ إثباتُ محبَّةِ الله -سُبْحَانَهُ- لعبدِه موسى، وتحبيبِه لخلقِه، وفيها عنايةُ اللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- بعبدِه موسى وتربيتُه على مَرأًى منه، وهذه عنايةٌ خاصَّةٌ ومعيَّةٌ لعبدِه موسى تَقْتَضي حفظَه وكلاءتَه وعنايتَه، وفي هذه الآياتِ إثباتُ صفةِ العَينينِ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى-، كما يليقُ بجلالِه وعظمتِه، فيجبُ على المؤمنِ أنْ يُثبتَ لخالقِه وبارئِه ما أثبتَه لنفسِه من العَينينِ والسَّمْعِ والبصرِ وغيرِها، وغيرُ المؤمنِ مَن ينفِي عن اللهِ ما أثبَتَه في مُحكمِ تنزيلِه، وكذلك أثبَتَه له رسولُه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت