فهرس الكتاب
وقَوْلُهُ: ( قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيْعٌ بَصِيْرٌ ) [1]
(1) قَولُهُ: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا) : أي تراجُعك أيُّها النَّبيُّ في شأنِ زوجِها، وهي خولةُ بنتُ ثعلبةَ، وزوجُها أوسُ بنُ الصَّامتِ، وذلك حينَ ظاهرَ منها زوجُها، وقال لها: أنتِ علَيَّ كظهْرِ أمِّي، فأتت النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فقال: (( قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ ) )فَقَالَتْ: إنَّ ليْ صِبْيِةً صِغَارًا إنْ ضَمَمْتُهُمْ إليَّ جَاُعوا، وإنْ ضَمَمْتُهمْ إليْهِ ضَاعُوا، فَقَالَ: (( قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ ) )فَقَالَت: أَشكو إلى اللهِ فَاقَتي وجَهْدِيِ، وكُلَّما قَالَ حَرُمْتِ عَلَيْه جَعَلَتْ تَهْتفُ وتَشْكُو.
قَولُهُ: (وَتَشْتَكِي) : أي تُظهِرُ ما بها مِن المكروهِ.
وقَولُهُ: (وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) : أي مراجعتَكُما الكلامَ، مِنْ حارَ إذا رَجَعَ.
قَولُهُ: (إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) : أي أحاطَ سمعُه بجميعِ المسموعاتِ، وبصرُه بجميعِ المُبصَراتِ، فلا يَخفى عليه خافيةٌ، وكثيرًا ما يقرنُ -سُبْحَانَهُ- بين هذينِ الاسمينِ (السَّميعُ والبصيرُ) فكلٌّ مِن السَّمعِ والبصرِ محيطٌ بجميعِ متعلِّقاتِه الظَّاهرةِ والباطنةِ، فالسَّميعُ: هو الَّذي أحاطَ سمعُه بجميعِ المسموعاتِ، والبصيرُ: هو الَّذي أحاطَ بصرُه بجميعِ المبصراتِ.
وفي هذه الآيةِ الكريمةِ إثباتُ السَّمعِ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى-، وأنَّه سميعٌ، ويسمعُ، أحاطَ سمعُه بجميعِ المسموعاتِ، وكلُّ ما في العالمِ العلويِّ والسُّفليِّ من الأصواتِ يسمعُه -سُبْحَانَهُ وتعالَى-، سواءً السِّرُّ والعلانيَّةُ، قالت عائشةُ رَضِي اللهُ عَنْهُا: الحمدُ للهِ الَّذي وَسِعَ سمعُه الأصواتَ، لقد جاءتِ المجادِلةُ تشتَكِي إلى رسولِ اللهِ وأنا في جانبِ الحُجرةِ يخفى عَلَيَّ بعضُ كلامِها فأنزلَ اللهُ قَولَهُ: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا) الآيةَ، وقال ابنُ القيِّمِ في (النُّونيَّةِ) :
وهوَ السَّميعُ يَرى ويسمَعُ مَا في الكونِ منْ سرٍّ ومِنْ إعلانِ
ولكلِّ صوتٍ منْهُ سَمْعٌ حاضرٌ فالسِّرُّ والإعلانُ مُستوِيَانِ
والسَّمعُ منْهُ واسعُ الأصواتِ لا يَخفى عليهِ بُعدُهَا والدَّانِي
قال البيهقيُّ في كتابِ (الأسماءِ والصِّفاتِ) : السَّميعُ الَّذي له سمعٌ يدركُ به المسموعاتِ، والبصيرُ مَن له بصرٌ يدرك به المرئيَّاتِ، ولكلٍّ منهما في حقِّ البارِي صفةٌ قائمةٌ بذاتِه، وقد أفادتِ الأحاديثُ الرَّدَّ على مَن زعمَ أنَّه سميعٌ بصيرٌ بمعنى عَليمٍ، كما أخرجَ أبو داودَ بسندٍ قويٍّ على شرطِ مسلمٍ مِن حديثِ أبي هريرةَ قالَ: رأيتُ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يقرأ قَولَهُ سُبْحَانَهُ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأماناتِ إلى أهلِها) - إلى قَولِهِ - (إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) ويضعُ أُصبعيهِ، قال أبو يونسَ: وَضعَ أبو هُريرةَ إبهامَه على أذنِه والَّتي تَلِيها على عينِه، قال البيهقيُّ: وأرادَ بهذه الإشارةِ تحقيقَ إثباتِ السَّمْعِ والبصرِ للهِ بِبيانِ محلِّهما مِن الإنسانِ، يريدُ أنَّ له سمعًا وبصرًا، لا أنَّ المرادَ بها العِلمُ، فإنَّه لو كانَ المرادُ بها العِلمَ لأشارَ إلى القلبِ، لأنَّه محلُّ العِلمِ، ولم يُرِدِ الجارِحَةَ، فإنَّ اللهَ منزَّهٌ عن مشابهةِ المخْلوقينَ، ثمَّ ذكرَ لحديثِ أبي هريرةَ شاهدًا من حديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ: سمعتُ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يقولُ على المنبرِ: (( ربَّنَا سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) )وأشارَ إلى عينَيهِ، وسندُه حسنٌ.
وفي صحيحِ مسلمٍ من حديثِ أبي هريرةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ: (( إِنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلىَ صُوَرِكُمْ وأَمْوَالِكُمْ وَلَكنْ يَنْظُرُ إِلىَ قُلُوبِكُمْ ) ). انتهى.
ولا شَكَّ أنَّ مَن سمعَ وأبصرَ أدخلُ في صفةِ الكمالِ ممَّن انفردَ بأحدِهما دونَ الآخرِ، فصحَّ أنَّ كونَهُ سميعًا بصيرًا يفيدُ قدرًا زائدًا على كونِه عليمًا، وكونَه سميعًا بصيرًا يتضمَّنُ أنَّه يسمعُ بسمعٍ ويبصرُ ببصرٍ، كمَا تضمَّنَ كونَه عليمًا: أنَّه يعلمُ بعلمٍ، ولا فرقَ بين كونِه سميعًا بصيرًا وبينَ كونِه ذا سمعٍ وبصرٍ، وقالَ وهذا قولُ أهلِ السُّنَّةِ قاطبةً ذكره في (فتحِ الباري) .
وفي هذه الآيةِ وغيرِها دليلٌ على ثبوتِ الأفعالِ الاختياريَّةِ للهِ وقيامِها بهِ، كقَولِهِ سُبْحَانَهُ وتعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) ، وقَولُهُ: (فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) الآيةَ. وفي هذهِ الآيةِ الشَّكوى إلى اللهِ سُبْحَانَهُ وتعالى، وأنَّ الشَّكْوى إليه -سُبْحَانَهُ- لا تُنافي الصَّبرَ كهذِه الآيةِ، وكشكايةِ يعقوبَ إلى اللهِ، وأمَّا الشَّكوى إلى مخلوقٍ فإنَّها تُنافي الصَّبرَ، والشَّكوى نَوعانِ: شَكْوى بلسانِ المقالِ، وشَكْوى بلسانِ الحالِ، وفعلُها أعظمُ، وأمَّا إخبارُ المخلوقِ بالحالِ فإنْ كانَ للاستعانةِ بإرشادِه أو مُعاونتِه لم يقدحْ ذلك في الصَّبرِ كإخبارِ المريضِ للطبيبِ، وقد كانَ النَّبيُّ إذا دَخَلَ على مريضٍ يسألُه عن حالِه، ويقولُ: كَيْفَ تَجِدُكَ، انتهى. مِن كلامِ ابنِ القيِّمِ بتصرُّفٍ.