الصفحة 65 من 233

وقولُهُ: ( لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أَغْنِياءُ ) . [1]

وقَوْلُهُ: ( أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ) . [2]

(1) 71) قَولُهُ: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا ) : الآيةَ، سببُ نزولِ هذه الآيةِ: أنَّ اليهودَ حينَ سَمِعوا قَولَهُ: (مَنْ ذَا الَّذي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) : قالوا: إنَّ إلهَ محمَّدٍ يَستقرضُ منَّا، فنحنُ إذًا أغنياءُ وهو فقيرٌ.

قَولُهُ: (سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا) : أي سنأمرُ الحفظَةَ بكتابةِ ما قالوا في الصَّحائفِ.

أفادت هذه الآيةُ كغيرِها مِن الآياتِ والأحاديثِ إثباتَ صفةِ السَّمعِ للهِ كما يليقُ بجلالِه، وفي قَولِهِ: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ) تحذيرٌ وتخويفٌ، فإنَّه ليسَ المرادُ به مجرَّدَ الإخبارِ بالسَّمْعِ، لكنَّ المرادَ مع ذلك الإخبارُ بما يترتَّبُ على ذلك من المجازاةِ بالعدلِ، وأفادتْ إثباتَ وجودِ الحفظةِ وأنَّهم يكْتُبون ما يُقالُ، وسيأتي الكلامُ على الحفَظةِ.

(2) قَولُهُ: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ) : السِّرُّ: هو حديثُ الإنسانِ بينَه وبينَ نفسِه أو غيرِه في خِفيةٍ، والنَّجوى: هو ما يتحدَّثُ به الإنسانُ معَ رفيقِه ويُخفيهِ عن غيرِه.

قَولُهُ: (بَلَى) : أي نسمعُ سِرَّهم ونَجْواهم، فهو -سُبْحَانَهُ- السَّميعُ الَّذي أحاطَ سمعُهُ بجميعِ المسموعاتِ.

قَولُهُ: (وَرُسُلُنَا) : أي الملائكةُ الحفظةُ للأعمالِ (لَدَيْهِمْ) : أي عندَهم.

قَولُهُ: (يَكْتُبُونَ) : أي يكتبونَ ما يقولونَ وما يفعلونَ.

فهذه الآيةُ فيها تحذيرٌ وتخويفٌ، فإنَّ طريقةَ القرآنِ بذكرِ العلمِ والقدرةِ تهديدًا وتخويفًا لترتُّبِ الجزاءِ عليها كهذه الآيةِ، وقَولُهُ: (اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ) الآيةَ، وليس المرادُ به مجرَّدَ الإخبارِ بالقدرةِ والعلمِ، لكنَّ الإخبارَ مع ذلك بما يترتَّبُ عليهما مع الجزاءِ بالعدلِ، انتهى. مِن كلامِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ.

وفي هذهِ الآيةِ دليلٌ على إثباتِ صفةِ السَّمعِ وإحاطتِه إحاطةً تامَّةً بكلِّ مسموعٍ، وفيها دليلٌ على وجودِ الملائكةِ الحفظَةِ، وأنَّهم يكْتبونَ كلَّ ما قالَ العبدُ أو فعلَ أو نَوى أو همَّ به؛ لأنَّ النِّيَّةَ فعلُ القلبِ، فدخلتْ في عمومِ قَولِهِ: (يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) ويشهدُ لذلك قَولُهُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلاَ تَكْتُبُوْهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا فاكتُبُوهَا عَلَيْهِ، وإِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا فاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ عَشْرًا ) ).

ويجبُ الإيمانُ بالحفظَةِ، والأدلَّةُ على إثباتِ وجودِهِم من الكتابِ والسُّنَّةِ كثيرةٌ، قال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) وقَولُهُ: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) .

قالَ علماؤُنَا منهم ابنُ حِمْدَانَ في (نهايةِ المُبتدئينَ) : الرَّقيبُ والعتيدُ مَلكَانِ موكَّلانِ بالعبدِ، يجبُ أَنْ نؤمِنَ بهما ونُصدِّقَ بأنَّهما يَكتبانِ أفعالَهُ، واستدَلَّ بالآيتينِ المذكورتَينِ، قال ولا يُفارقَانِ العبدَ بحالٍ، وقيلَ بلْ عندَ الخلاءِ، وقال الحسنُ: إنَّ الملائكةَ يجتنبونَ الإنسانَ على حاليْنِ: عندَ غائطِه وعندَ جِمَاعِه، ومفارقتُهما للمكلَّفِ حينئذٍ لا يمنعُ مِن كِتابتِهما ما يصدرُ منه في تلكَ الحالِ، كالاعتقادِ القلبيِّ يجعلُ اللهُ لهما أمارةً على ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت