فهرس الكتاب
( إِنَّني مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) ، ( أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى ) . [1]
(1) قَولُهُ: (إِنَّني مَعَكُمَا) : أي يقولُ -سُبْحَانَهُ- لكليمِه موسى عليه السَّلامُ وأخيهِ هارونَ: (إِنَّني مَعَكُمَا) أي بِحفظِي ونصرِي وكلاءتِي وتَأْييدِي.
قَولُهُ: (أَسْمَعُ وَأَرَى) : أي أسمعُ كلامَكُما وكلامَه وأرى مكانَكُما ومكانَه، ولا يَخْفى عليَّ شيءٌ من أمرِكُم، فأنَا معَكُما بحِفْظي ونَصْري، وهذه المعيَّةُ الخاصَّةُ الَّتي تَقْتَضي الحِفظَ والنَّصرَ والتَّأييدَ والإعانَةَ، كقَولِهِ: (كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) ، وقولِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( مَا ظَنُّكَ باثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا لاَتَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا ) ).
والمعيَّةُ تنقسمُ إلى قسمينِ: معيَّةٍ خاصَّةٍ ومعيَّةٍ عامَّةٍ، فالعامَّةُ: هي معيَّةُ العِلْمِ والإحاطةِ، كقَولِهِ سُبْحَانَهُ: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ ) .
والثَّانيةُ: وهي المعيَّةُ الخاصَّةُ، وهي معيَّةُ القُربِ. كما تقدَّمَ، كقَولِهِ: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) والفرقُ بينهما أنَّها إذا جاءتِ المعيَّةُ في سياقِ المحاسبةِ والمجازاةِ والتَّخويفِ فهي عامَّةٌ، وإذا أتتْ في سياقِ مدحٍ أو ثناءٍ فهي معيَّةٌ خاصَّةٌ، وكلا المعيَّتينِ منه -سُبْحَانَهُ- مصاحبِةٌ للعبدِ، لكنْ هذه مصاحبةُ اطِّلاعٍ وإحاطةٍ، وهذه مصاحبةُ موالاةٍ ونصرٍ وحفظٍ، فمَعَ في لغةِ العربِ للصُّحبةِ اللاَّئقةِ لا تُشعِرُ بامتزاجٍ ولا اختلاطٍ ولا مجاورةٍ ولا مجانبةٍ، كقَولِهِ سُبْحَانَهُ: (اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) وتقولُ: زوْجَتي مَعي، وهذه المعيَّةُ لا تُنافِي علُوَّ اللهِ على عرشِه، فإنَّ قُرْبَه ومعيَّتَه ليست كقربِ الأجسامِ بعضِها من بعضٍ، ليس كمثلِهِ شيءٌ؛ كما قالَ مالكٌ: الاستواءُ معلومٌ والكيفُ مجهولٌ.
قالَ شيخُ الإسلامِ رحمه اللهُ: وهذا شأنُ جميعِ ما وصفَ اللهُ به نفسَهُ، فلو قال في قَولِهِ: (( إِنَّني مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) كيفَ يسمعُ وكيف يَرَى؟ لقلنا: السَّمعُ والرَّؤيةُ معلومٌ والكيفُ مجهولٌ، ولو قالَ كيفَ يتكلَّمُ؟ لقلنا الكلامُ معلومٌ والكيفُ مجهولٌ.
وقَولُهُ: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى) : أي أمَا عَلمَ هذا النَّاهي عن الهُدى أنَّ اللهَ يراه ويسمعُ كلامَه؟! وسَيُجازيه على فعلِه أتمَّ الجزاءِ، وهذا وعيدٌ.