فهرس الكتاب
( الَّذِي يَرَاكَ حِيْنَ تَقُومُ وتَقَلُّبَكَ في السَّاجِدِينَ. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيْعُ العَلِيْمُ ) ، ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤمِنُونَ ) . [1]
(1) قَولُهُ: (يَرَاكَ) :أي يبصرُك وينظرُ إليك لا تَخْفى عليه خافيةٌ، فتوكَّلْ عليه فإنَّه سيحفظُكَ وينصُرُك ويعزُّكَ، وتضمَّنَ ذلك الوعدُ بالإثابةِ على ذلك أتمَّ الثَّوابِ.
وقَولُهُ: (حِيْنَ تَقُومُ) : أي يراكَ حينَ تقومُ للصَّلاةِ وغيرِها، (وتَقَلُّبَكَ في السَّاجِدِينَ) : أي يَرى تقلُّبَك في السَّاجدينَ من قيامٍ وقعودٍ وركوعٍ وسجودٍ، ففيه فضيلةُ صلاةِ الجماعةِ. استُفيدَ من هذه الآياتِ: إثباتُ صفةِ السَّمْعِ والبصَرِ وإثباتُ علمِه المحيطِ، واستُفيدَ منه كما تقدَّمَ: الإشارةُ إلى فضيلةِ السَّمعِ على البصرِ لتقديمِه عليه.
وقَولُهُ: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) . أي قلْ يا محمَّدُ لهؤلاءِ المُنافقينَ: اعمَلوا ما شِئتم واستمرُّوا على باطلِكم ولا تحسبُوا أنَّ ذلكَ سَيخفَى عليهِ، وهذا وعيدٌ شديدٌ لمَن خالفَ أوامرَه.
قَولُهُ: (فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ) الآيةَ، أي سَيُظهِرُ أعمالَكم للنَّاسِ في الدُّنْيَا، وهذا وعيدٌ للمخالِف أوامرَه بأنَّ أعمالَهم ستُعرَضُ عليه وعلى الرَّسولِ وعلى المؤمِنينَ، وهذا كائنٌ لا محالةَ يومَ القيامةِ، كما قال سُبْحَانَهُ: (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ ) وقال: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) وقد يُظهِرُ اللهُ ذلك للنَّاسِ في الدُّنْيَا، كما روى الإمامُ أحمدُ عن أبي سعيدٍ مرفوعًا: (( لو أنَّ أحدَكُمْ يَعملُ في صخرةٍ ليسَ لَهَا بابٌ ولاَ منفذٌ لأَخرجَ اللهُ عمَلَهُ للنَّاسِ كَائِنًا مَا كانَ ) )وقد وردَ أنَّ أعمالَ الأحياءِ تُعرضُ على الأمواتِ مِن الأقرباءِ والعشائرِ في البرزَخِ.
ففي هذه الآيةِ إثباتُ الكلامِ، وفيها دليلٌ على ثبوتِ الأفعالِ الاختياريَّةِ للرَّبِّ وقيامِها بهِ، وأدلَّةُ ذلك كثيرةٌ تزيدُ على الألفِ، كما ذكرهُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ وتلميذهُ ابنُ القيِّمِ رحمهما اللهُ تعالى. وقالَ شيخُ الإسلامِ تقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ في كتابِ (الرَّدِّ على المنطِقيِّينَ) قَولُهُ: (فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ) وقَولُهُ: (إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسولَ) أي لنرى أو لِنُميزَ، وهكذا قال عامَّةُ المفسِّرين إلا لِنَرى ونميِّزَ، وكذا قالَ جماعةٌ من أهلِ العِلْمِ. قالوا: لنعلمَهُ موجودًا واقعًا بعد أنْ كانَ قد عُلِمَ أنَّه سيكونُ، ولفظُ بعضِهم قالَ العِلْمُ على مَنزلتينِ: علمٍ بالشَّيءِ قبلَ وجودهِ، وعلمٍ به بعدَ وجودِه، والحكمُ للعلمِ بِه بعد وجودِه؛ لأنَّه يوجبُ الثَّوابَ والعقابَ، قالَ: فَمَعنى قَولِهِ: (إِلاَّ لِنَعْلَمَ) ، أي لنعلمَ العِلمَ الَّذي يستحقُّ به العاملُ الثَّوابَ والعقابَ، ولا ريبَ أنَّه كانَ عالمًا -سُبْحَانَهُ- بأنَّه سيكونُ، لكنْ لم يكنِ المعلومُ قد وُجدَ، والقرآنُ قد أخبرَ أنَّه -سُبْحَانَهُ- يعلمُ ما سيكونُ في غيرِ موضعٍ، وأخبرَ بما أخبَرَ به مِن ذلك قبلَ أنْ يكونَ، وقد أخبرَ بعلمهِ المتقدِّمِ على وجودِه، ثمَّ لَمَّا خلقَهُ علمَه كائنًا مع علمِه الَّذي تقدَّمَ أنْ سيكونُ، فهذا هو الكمالُ، وقد ذكرَ اللهُ علمَهُ بما سيكونُ بعدَ أنْ يكونَ في بضعَ عشرةَ آيةً من القرآنِ كقَولِهِ سُبْحَانَهُ: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسولَ) مع إخبارِهِ في مواضعَ كثيرةٍ مِنْ أنَّه يعلمُ ما سيكونُ قبلَ أنْ يكونَ.
وفي هذهِ الآياتِ دليلٌ واضحٌ على أنَّ اللهَ موصوفٌ بصفاتِ الكمالِ مِن العِلمِ والقُدرةِ والإرادةِ والحياةِ والكلامِ والسَّمعِ والبصرِ والوجهِ واليديْنِ والغضبِ والرِّضا والفرحِ والضَّحكِ والرَّحمةِ والحكمةِ، وبالأفعالِ كالمجيءِ والإتيانِ والنُّزولِ إلى سماءِ الدُّنْيَا ونحوِ ذلك، والعلمُ بمجيءِ ذلك عن الرَّسولِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- ضروريٌّ، وإخبارُه به ضروريٌّ فوقَ العِلمِ بوجوبِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ وتحريمِ الفواحشِ، وفرضَ على الأمَّةِ تصديقَهُ فرضًا لا يتمُّ أصلُ الإيمانِ إلا به، خلافًا للجهميَّةِ والمعتزلةِ وأشباهِهِمْ.
وفي هذه الآياتِ أيضًا إشارةٌ إلى أنَّه ينبغي للعبدِ أنْ يعبدَ اللهَ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- على استحضارِ قُربِهِ واطِّلاعِه، وأنَّه بين يَديهِ، وذلك يوجبُ للعبدِ الخشيةَ والخوفَ والهيبةَ والتَّعظيمَ ويوجبُ النُّصحَ في العبادةِ، وهذا هو مقامُ الإحسانِ كما في حديثِ عمرَ: (( الإحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) )وقد دلَّ القرآنُ على هذا المعنى في مواضعَ كثيرةٍ، وكذلك وردتْ أحاديثُ صحيحةٌ بالنَّدبِ إلى استحضارِ هذا القربِ في حالِ العباداتِ، كقَولِهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( إِذَا قَامَ أَحْدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ ) ). انتهى. مِن كلامِ ابنِ رجبٍ بتصرُّفٍ.