الصفحة 79 من 233

عَالِمِ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ). [1]

(1) قَولُهُ: (عَالِمِ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ) : أي يعلمُ ما غابَ عن العبادِ وما شاهدوه، والغيبُ ينقسمُ إلى قِسمين: غيبٍ مُطلقٍ، وغيبٍ مقيَّدٍ.

فالمطلقُ: لا يعلمُه إلا اللهُ، وهو ما غابَ عن جميعِ المخلوقِين الَّذين قال فيه: (فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا) .

والغيبُ المقيَّدُ: ما عَلِمه بعضُ المخلوقاتِ مِن الجنِّ والإنسِ، فهو غيبٌ عمَّن غابَ عنه وليس هو غَيبًا عمَّن شَهِدَهُ، والنَّاسُ قد يغيبُ عن هذا ما يشهدُه هذا فيكون غيبًا مقيَّدًا، أي غيبًا عمَّن غاب عنه من المخلوقين لا عَمَّن شَهِده، وليس هو غيبًا مُطلقا عن المخلوقينَ قاطبةً. انتهى. مِن كلامِ شيخِ الإسلامِ بِتصرُّفٍ.

قَولُهُ: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) : قَولُهُ: (فَتَعَالَى) أي علا وتنَزَّه وتقدَّسَ عمَّا لا يليقُ بجلالِه، فله -سُبْحَانَهُ- العلوُّ الكاملُ المطلقُ من جميعِ الوجوهِ، علوُّ القهرِ، أي إنَّه علا على كلِّ شيءٍ بمعنى أنَّه قاهرٌ له، قادرٌ عليه متصرِّفٌ فيه، كما قال تعالى: (إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) انتهى. وله -سُبْحَانَهُ وتعالَى- علوُّ القدرِ، فتعالى -سُبْحَانَهُ- وتنَزَّه عن المثيلِ والنَّظيِرِ، وتنَزَّه عن النَّقائصِ والعيوبِ، كما قال: (سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) وفي دعاءِ الاستفتاحِ: (( وَتَعَالى جَدُّكَ ) )، وله -سُبْحَانَهُ- علوُّ الذَّاتِ، أي أنَّه عالٍ على الجميعِ فوقَ عرشِه, وإثباتُ علوِّه -سُبْحَانَهُ- على ما سِواه وقدرتِه عليه وقهرِه يقْتَضي ربوبيَّتَه له وخلقَه له، وذلك يستلزمُ ثبوتَ الكمالِ، وعلوًّا عن الأمثالِ يقْتَضي أنَّه لا مثلَ له في صفاتِ الكمالِ فاسمُه العليُّ الأعلى يتضمَّنُ اتَّصافَه بجميعِ صفاتِ الكمالِ، وتنزيهَه عمَّا يُنافيها من صفاتِ النَّقصِ، وعن أَنْ يكونَ له مثلٌ، وأنَّه لا إلهَ إلا هو ولا ربَّ سواه، انتهى. ملخَّصًا مِن كلامِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ رحمه اللهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت