الصفحة 78 من 233

وقَوْلُهُ: ( مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ ومَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ ... [1]

(1) قَولُهُ: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ) : أي لأنَّه منزَّهٌ عن المثلِ والشَّبيهِ والنَّظيِر، والولدُ يُشبه والدَه فلم يتَّخذْ ولدًا لكمالِ صمديَّتِه وغناهُ وملكِه وتعبُّدِ كلِّ شيءٍ له، فاتَّخاذُ الولدِ يُنافي ذلك كما قال سُبْحَانَهُ: (وقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ ) ففيه الرَّدُّ على مَن زعَم أنَّ له ولدًا، كاليهودِ والنَّصارى والمشركين وغيرِهم، والرَّدُّ على المشبِّهةِ الممثِّلةِ.

قَولُهُ: (ومَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) : أي ليسَ معه -سُبْحَانَهُ- شريكٌ في الألوهيَّةِ، لتفرُّدهِ -سُبْحَانَهُ- بالألوهيَّةِ والرُّبوبيَّةِ وتوحُّدِه بصفاتِ الكمالِ الَّتي لا يُوصَفُ بها غيرُه -سُبْحَانَهُ- فيكونُ شريكًا له، وكذا كلُّ سَلْبٍ وُجِدَ فهو لتضمُّنِه إثباتَ كمالِ ضدِّهِ، وإلا فالسَّلبُ المحضُ ليس بمدحٍ ولا ثناءٍ. انتهى. مِن كلامِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ.

قَولُهُ: (إذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ) : أي لو كانَ معهُ إلهٌ لذهبَ كلُّ إلهٍ بما خلقَ، أي انفردَ به ومنعَ غيرَه مِن الاستيلاءِ عليه، فلو قُدِّرَ ذلك لما كان ينتظمُ الوجودُ، والمُشاهدُ أنَّ الوجودَ مُنْتَظِمٌ مُتَّسِقٌ، (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) .

قَولُهُ: (وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) : أي لو كانَ معه إلهٌ لعلا بعضُهم على بعضٍ مُغَالَبَةً، كفعلِ ملوكِ الدُّنْيَا، فكلُّ واحدٍ منهم يطلبُ قهرَ الآخرِ، والمتكلِّمونَ ذكرُوا هذا المعنى وعَبَّروا بدليلِ التَّمانعِ.

قَولُهُ: (سُبْحَانَ اللهِ) : أي تنزيهًا للهِ -سُبْحَانَهُ-، والتَّسبيحُ: التَّنزيهُ عن كلٍّ نقصٍ وعيبٍ.

قَولُهُ: (عَمَّا يَصِفُونَ) : أي تنزيهًا للهِ -سُبْحَانَهُ- عمَّا يَصِفُه به المُخالفون للرُّسلِ عليهم السَّلامُ.

وقال ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللهُ تعالى: تأمَّلْ هذا البرهانَ الباهرَ بهذا اللفظِ الوجيزِ البَيِّنِ، فإنَّ الإلهَ الحقَّ لا بُدَّ أَنْ يكونَ خالقًا فاعلًا يُوصلُ إلى عابديه النَّفعَ ويدفعُ عنهم الضُّرَّ، فلو كانَ معه إلهٌ آخرُ لكان له خلقٌ وفعلٌ، وحينئذٍ فلا يرضى شَركةَ الإلهِ الآخرِ معه؛ بل إنْ قدرَ على قهرِه والتَّفرُّدِ بالألوهيَّةِ دونَه فَعلَ، وإن لم يقدرْ على ذلك انْفردَ بخلقِه وذهبَ به، كما يَنفردُ ملوكُ الدُّنْيَا بعضُهم عن بعضٍ بممالِكهم إذا لم يقدر المنفردُ على قهرِ الآخرِ والعلوِّ عليه، فلا بُدَّ من أحدِ أمورٍ ثلاثةٍ:

إمَّا أنْ يذهَبَ كلُّ إلهٍ بخلقِه وسلطانِه، وإمَّا أنْ يعلوَ بعضُهم على بعضٍ، وإما أنْ يكونوا كلُّهم تحتَ قهرِ إلهٍ واحدٍ يتصرَّفُ بهم ولا يتصرَّفون فيه، فيكونُ وحدَه هو الإلهُ الحقُّ، وهم العبيدُ المَرْبوبون المقهورونَ، وانتظامُ أمرِ العالمِ العلويِّ والسُّفليِّ وارتباطُ بعضِه ببعضٍ وجريانِه على نظامٍ محكمٍ لا يختلفُ ولا يفسدُ مِن أدلِّ دليلٍ على أنَّ مُدَبِّرَهُ واحدٌ لا إلهَ غيرُه، كما دلَّ دليلُ التَّمانعِ على أنَّ خالقَه واحدٌ لا رَبَّ غيرُه، فذلك تمانعٌ في الفعلِ والإيجادِ، وهذا تمانعٌ في الغايةِ والألوهيَّةِ، فكما يستحيلُ أنْ يكونَ للكونِ ربَّانِ خالِقان متكافِئان، كذلك يستحيلُ أنْ يكونَ له إلهانِ معبودانِ.ا هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت