الصفحة 77 من 233

وَقَوْلِهِ تَعَالى: ( يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّماواتِ وَمَا في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ يُحيي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ) ، وقَوْلُهُ: ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ للْعَالَمِينَ نَذِيرًا. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيْكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [1]

(1) قَولُهُ: (يُسَبِّحُ للهِ) : أي يُنَزِّهُهُ عمَّا لا يليقُ بجلالِه وعظمتِه، فالتَّسبيحُ يَقتضي التَّنزيهَ للهِ -سُبْحَانَهُ- مِن كلِّ سوءٍ وعيبٍ وإثباتَ صفاتِ الكمالِ للهِ سُبْحَانَهُ.

وهذا التَّسبيحُ قيل بلسانِ الحالِ، وقيل بلسانِ المَقالِ وهو الصَّحيحُ، واللهُ -سُبْحَانَهُ- قادِرٌ على خَلْقِ الإدراكِ في الجَماداتِ وإنطاقِها، كما قالَ -سُبْحَانَهُ- عن الجلودِ: (أنطَقَنَا اللَّهُ الَّذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) والأصلُ في الكلامِ الحقيقةُ، وقد سَمِعَ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- تَسبيحَ الْحَصَى، وَوَرَدَ أَنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( إِنَّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ ) )، وكما في الحديثِ: أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- لَمَّا خَطَب على المِنبرِ حَنَّ الجِذْعُ الَّذي كان يخطبُ عليه سابقًا، وقال تعالى: (وَإِن مِّنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) الآيةَ.

قَولُهُ: (مَا فِي السَّماواتِ وَمَا في الأرْضِ) : أي جميعُ ما في السَّماواتِ والأرضِ يُسبِّحُ للهِ وحدَه، وينزِّهُه عمَّا لا يَليقُ بجلالِه وعظمتِه، وقدَّمَ السَّماواتِ على الأرضِ لأنَّها مقدَّمةٌ بالرُّتبةِ والفضلِ والشَّرفِ، أفاده ابنُ القيِّمِ في (( البدائعِ ) ).

قَولُهُ: (لَهُ المُلْكُ) : أي هو المالكُ وحدَه لجميعِ المخلوقاتِ النَّافِذُ فيها أمرُه، يتصرَّفُ فيها كيفَ يشاءُ لا مُعقِّبَ لحكمِه ولا رادَّ لأمرِه.

قَولُهُ: (يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) : ففي هذه الآيةِ دليلٌ على وجودِ التَّسبيحِ من جميعِ المخلوقاتِ، وأنَّه تسبيحٌ حقيقيٌ، وأنَّه -سُبْحَانَهُ- قادرٌ، على خلقِ الإدراكِ للجماداتِ، وقادرٌ على إنطاقِها، وفيها إثباتُ جميعِ صفاتِ الكمالِ للهِ -سُبْحَانَهُ- ونفيُ كلِّ نقصٍ وعيبٍ، لأنَّ التَّسبيحَ يقتَضي ذلك.

قَولُهُ: (تَبَارَكَ) : من البركةِ وهو لغةً: النَّماءُ والزِّيادةُ، وتباركَ فِعلٌ مختصٌّ باللهِ لم يُنطقْ له بمضارعٍ.

قَولُهُ: (الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ) : أي القرآنَ سُمِّيَ بذلك لأنَّه يفرقُ بين الحقِّ والباطلِ، ومنه الفاروقُ، وفيه دليلٌ على أنَّ القرآنَ منَزَّلٌ مِن عندِ اللهِ، وفيه دليلٌ على علُوِّه -سُبْحَانَهُ- على خلقِه؛ لأنَّ الإنزالَ والتَّنزيلَ لا يكونُ إلاَّ مِن أعلى إلى أسفلَ، وأفادت هذه الآيةُ: فضلَ هذا الكتابِ على الكُتبِ الأخْرَى.

قَولُهُ: (عَلَى عَبْدِهِ) : أي على عبدِه ورسولِه محمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، وهذا صِفةُ مدحٍ وثناءٍ؛ لأنَّه أضافَهُ إلى عبوديَّتِه ووصفَه بها في أشرفِ مقاماتِه، مقامِ الإرسالِ، كقَولِهِ سُبْحَانَهُ: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ) ومقامِ الإسراءِ كقَولِهِ سُبْحَانَهُ: (سُبْحَانَ الَّذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى ) ومقامِ التَّحدِّي كقَولِهِ سُبْحَانَهُ: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) الآيةَ، وهذه الإضافةُ إضافةُ تشريفٍ وتعظيمٍ، وتقدَّم أنَّ المُضافَ إليهِ -سُبْحَانَهُ- ينقسمُ إلى قِسمينِ: إضافةُ أعيانٍ وإضافةُ معانٍ، فإضافةُ المعانِي إليه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- مِن بابِ إضافةِ الصِّفةِ إلى الموصوفِ، كإضافةِ السَّمعِ والْبَصَرِ والعلمِ والقُدرةِ ونحوِ ذلك إليه -سُبْحَانَهُ- مِن كلِّ شيءٍ لا يقومُ بنفسِه. الثَّاني: إضافةُ الأعيانِ إليه سُبْحَانَهُ، فإضافتُها إليه -سُبْحَانَهُ- مِن بابِ إضافةِ المخلوقِ إلى خالقِه، كبيتِ اللهِ وناقةِ اللهِ، والحِجرِ يمينِ اللهِ وعبدِ اللهِ ورسولِ اللهِ ونحوِ ذلك. وفي هذه الآيةِ فضلُ نبيِّنا -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- حيث أضَافه إليه ووصَفَه بالعبوديَّةِ الَّتي هي من أشرفِ مقاماتِ العبدِ.

قَولُهُ: (لِيَكُونَ للْعَالَمِينَ نَذِيرًا) : أي مُنذرًا، والإنذارُ: هو الإعلامُ بأسبابِ المخافةِ، فكلُّ إنذارٍ إعلامٌ ولا يَنْعَكِسُ، قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ رحمَه اللهُ تعالى: والإنذارُ المذكورُ في الآيةِ إنذارٌ عامٌّ، فإنَّ الإنذارَ ينقسم إلى قِسمين: إنذارٍ عامٍّ وإنذارٍ خاصٍّ. والخاصُّ كقَولِهِ سُبْحَانَهُ: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا) وقَولِهِ: (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِكْرَ وَخشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ) الآيةَ.

فهذا الإنذارُ الخاصُّ هو التَّامُّ النَّافعُ الَّذي ينتفعُ به المُنذرُ، والإنذارُ: هو الإعلامُ بالخوفِ، فعَلِمَ المخوفَ فآمنَ وأطاعَ. انتهى.

ونذارتُه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- تَنقسم إلى قِسمين: عامَّةٍ وخاصَّةٍ، فالعامَّةُ كما في هذه الآيةِ، والخاصَّةُ كقَولِهِ سُبْحَانَهُ: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) الآيةَ.

قَولُهُ: (لِيَكُونَ للْعَالَمِينَ نَذِيرًا) : اللامُ في قَولِهِ ليكونَ لامُ العلَّةِ ودخولُ لامِ التَّعليلِ في شَرعِه أكثرُ مِن أنْ يُعَدَّ، ففيهِ دليلٌ على تعليلِ أفعالِ اللهِ وأنَّه لا يفعلُ شيئًا إلا لعلَّةٍ وحكمةٍ.

قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ: هذا قولُ السَّلفِ وجمهورِ المُسلمين، وجمهورِ العُقلاءِ، وقالتْ طائفةٌ كجهمٍ وأتباعِه: إنَّه لم يَخلقْ شيئًا لشيءٍ، ووافقَه أبو الحسنِ الأشعريُّ ومَن اتَّبعه مِن الفقهاءِ أتباعِ الأئمَّةِ. انتهى.

قَولُهُ: (للْعَالَمِينَ) : المرادُ بالعالَمين هنا: الجنُّ والإنسُ، ففيه دليلٌ على عمومِ رسالتِه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- وبعثتِه إلى الجنِّ والإنسِ، وفيه دليلٌ على أنَّ الجنَّ مُكَلَّفون ويتضمَّنُ الدَّلالةَ على أنَّهم يُثابون على الحسناتِ ويُجازونَ على السَّيئاتِ، وفيه دليلٌ على أنَّ مَن بَلَغه القرآنُ فقد قامَتْ عليه الحُجَّةُ، لقَولِهِ -سُبْحَانَهُ- وتعالى: (لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) الآيةَ، ففيه الردُّ على مَن زعَمَ أنَّ كلامَ اللهِ ورسولِه لا يفيدُ اليقينَ، فلو كانَ الأمرُ كما زعمَ هؤلاءِ المبتدعةُ لم تقمْ بالقرآنِ حُجَّةٌ على المكلَّفينَ، وأفادتْ هذه الآيةُ الحكمةَ في إرسالِ الرُّسلِ وإنزالِ الكتبِ.

قَولُهُ: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ) : أي له التَّصرُّفُ فيهما، والجميعُ خلقُه وعبيدُه.

قَولُهُ: (ولَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) : أي لكمالِ غِناه وقيامِه بنفسِه وحاجةِ كلِّ شيءٍ إليه، وافتقارِه وقيامِ كلِّ شيء به سُبْحَانَهُ وتعالى.

قَولُهُ: (وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) : أي أوجدَ وأنشأَ وأبدعَ، وتأتي خلقَ بمعنى قدرَ، وتأتي بمعنى كذبَ، كما قالَ سُبْحَانَهُ: (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا) ، وقال الشَّاعرُ:

لي حيلةٌ فيمن ينمُّ وليسَ في الكذابِ حيلة

مَن كانَ يخلقُ ما يقولُ فحيلتي فيه قليلة

وقَولُهُ: (وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) أي خلقَ كلَّ شيءٍ مخلوقٍ، فيدخلُ في ذلك أفعالُ العبدِ، فهي خلقٌ للهِ وفعلٌ للعبدِ، ولا يدخلُ في ذلك أسماءُ اللهِ وصفاتُه؛ لأنَّ الأسماءَ والصِّفاتِ تابعةٌ للذَّاتِ يُحتذى فيها حَذوُها. وعمومُ (كُلَّ) في كلِّ مقامٍ بحسبِه كقَولِهِ سُبْحَانَهُ: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) أي كلَّ شيءٍ أُمرَت بتدميرِه، وقَولُهُ: (وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ) أي من كلِّ شيءٍ يصلحُ للملوكِ فلا يدخلُ في ذلك القرآنُ؛ لأنَّ القرآنَ كلامُه وهو صفةٌ من صفاتِه، واللهُ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- بصفاتِه غيرُ مخلوقٍ، كما في الصَّحيحِ من حديثِ خولةَ: (( مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا وَقَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ ) )فاستعاذَ بكلماتِ اللهِ، والاستعاذةُ بالمخلوقِ شِركٌ، فَدَلَّ على أنَّ كلامَه -سُبْحَانَهُ- غيرُ مخلوقٍ كما استدلَّ بذلك أحمدُ وغيرُه.

قال ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللهُ في (( المدارجِ ) ): استدلَّ الجهميَّةُ على خلقِ القرآنِ بهذه الآيةِ، فأجابَهم السَّلفُ بأنَّ القرآنَ كلامُه سُبْحَانَهُ، وكلامُه من صفاتِه، وصفاتُه داخلةٌ في مُسمَّى اسمِه، كعلمِه وقدرتِه وحياتِه وسمعِه وبصرِه ووجهِه، فليسَ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- أسماءٌ لذاتٍ لا نعتَ لها ولا صفةَ ولا فعلَ ولا وجهَ ولا يَدينِ، فإنَّ ذلك إلهٌ معدومٌ مفروضٌ في الأذهانِ لا وُجودَ له في الأعيانِ، كإلهِ الجهميَّةِ الَّذي فرضُوه لا داخلَ العالمِ ولا خارجَهِ ولا متَّصلَ فيه ولا منفصلَ عنه ولا محايدَ ولا مباينَ، أمَّا إلهُ العالَمين الحقُّ هو الَّذي دعتْ إليه الرُّسلُ وعرَّفوه بأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه فوقَ سماواتِه، بائنٌ من خلقِه موصوفٌ بكلِّ كمالٍ منَّزهٌ عن كلِّ عيبٍ، فتجريدُ الذَّاتِ عن الصِّفاتِ والصِّفاتِ عن الذَّاتِ فَرضٌ وخيالٌ ذِهْنِيٌّ لا حقيقةَ له. انتهى.

قَولُهُ: (فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) : أي قَدَّرَ رزقَه وأجلَه وحياتَه وموتَه وما يصلحُ له، ففيه دليلٌ على الإيمانِ بالقدرِ، ودليلٌ على ما سَبق علمُ اللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- بالأشياءِ، وكتابتِها، كما ثبتَ في صحيحِ مسلمٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، عن النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أنَّه قال: (( قَدَّرَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ ) )، وفي البخاريِّ عن عمرانَ بنِ حصينٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ، عن النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ) )وفي روايةٍ: (( ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ) )وأحاديثُ تقديرِه وكتابتِه -سُبْحَانَهُ- لما يريدُ أن يَخْلُقَهُ كثيرةٌ جدًّا.

أفادتْ هذه الآيةُ عدا ما تقدَّم: عمومَ ربوبيَّتهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- وملكِه، وأنَّه الإلهُ الحقُّ، وبطلانَ عبادةِ ما سواه، وأفادت الحثَّ على التَّوكُّلِ؛ لأنَّ مَن وَقَرَ في قلبِه أنَّ المُلكَ للهِ وأنَّه المُتصرِّفُ النَّافعُ الضَّارُّ لم يبالِ بأحدٍ مِن الخلقِ، وأفادتْ كما ذَكره بعضُهم: أنَّ العبادَ لا يملكونَ الأعيانَ ملكًا مطلقًا، وإنَّما يملكونَ التَّصرُّفَ فيها على مُقتضى الشَّرعِ، وأفادتْ تحريمَ الإفتاءِ بغير علمٍ؛ لأنَّ ربوبيَّتَه وملكَهُ يمنعُ مِن الحكمِ والإفتاءِ بغيرِ إذنِه وبغيرِ حكمِه، وأفادتْ تعدُّدَ السَّماواتِ، وأنَّها أشرفُ مِن الأرضِ؛ لأنَّه قَدَّمها، وقد تقدَّم كلامُ ابنِ القيِّمِ رحمه اللهُ في هذا الموضوعِ، وفيها تنزيهُه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- عن مُشابهةِ المخلوقِينَ في قَولِهِ: (ولَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) فإنَّ الولدَ عادةً يكونُ من جنسِ الوالدِ، وفيها الرَّدُّ على اليهودِ القائِلينَ: العزيرُ ابنُ اللهِ، والنَّصارى القائلين: المسيحُ ابنُ اللهِ، والمشركينَ القائلين الملائكةُ بناتُ اللهِ، وفيها الرَّدُّ على المشركين في إشراكِهِم معه غيرَه، والرَّدُّ على المجوسِ القائلين: بأنَّ النَّورَ خَلَقَ الخيرَ، والظَّلامَ خَلَقَ الشَّرَّ، والرَّدُّ على الدَّهريَّةِ القائلين: ما هي إلا حياتُنا الدُّنْيَا، وفيها الرَّدُّ على القَدَريَّةِ القائلين: بأنَّ العبادَ يخلقونَ أفعالهَم، وتضمَّنت إثباتَ صفةِ العلمِ للهِ سُبْحَانَهُ وتعالى، فإنَّ الخالقَ لا بُدَّ أن يعلمَ مخلوقَه، إذ الخلقُ فرعُ العلمِ، فلا يُمكِنُ الخلقُ إلا بعدَ العلمِ، قال تعالى: (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) .

ففيها الرَّدُّ على غُلاةِ القَدَريَّةِ الَّذين نَفَواْ علمَه سُبْحَانَهُ، فَكَفَّرهم السَّلفُ قاطبةً بذلك، وفيها الرَّدُّ على مَن زعم أَنَّ العرشَ غيرُ مخلوقٍ، وفيها الرَّدُّ على المجبرةِ القائلين:إنَّ العبدَ لا فِعلَ له، وأنَّ فِعْلَه كحفيفِ الأشجارِ أو كحركةِ المرتعشِ، وهذا باطلٌ تردُّهُ أدلَّةُ الكتابِ والسُّنَّةِ، بل العقلُ والفطرةُ، فإنَّ أفعالَ العبادِ داخلةٌ في عمومِ كلِّ المضافةِ إلى شيءٍ، فهي مخلوقةٌ، والمخلوقُ بائنٌ ومنفصلٌ عن الخالقِ، فليس هو فعلُه، فإذًا لا بُدَّ له من فاعلٍ يقومُ به، وهم العبادُ، وكلُّ أحدٍ يفرِّقُ بين الحركةِ الاختياريَّةِ والاضطراريَّةِ وقد قالَ العلماءُ: إنَّ مَن صارَ كالآلةِ لا ضمانَ عليه لأنَّه غيرُ مكلَّفٍ فيلزمُ على قولِ هؤلاء المجبرةِ أنَّ النَّاسَ غيرُ مكلَّفين، وهذا ممَّا يردُّه أدلَّةُ العقلِ والنَّقلِ والفطرةِ، والأدلَّةُ على إثباتِ فِعْلِ العبدِ وأنَّ له فعلًا حقيقةً يُنسبُ إليه على جهةِ الحقيقةِ لا على جهةِ المجازِ أكثرَ مِن أن تُحصرَ، وفيها انتظامُ هذا الكونِ واتَّساقُه على أكملِ نظامٍ وأتمَّه، ممَّا يدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّ له خالقًا وَمُدَبِّرًا وهو اللهُ سُبْحَانَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت