الصفحة 76 من 233

وقَوْلُهُ: ( وَقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَريكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِن الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) . [1]

(1) قَولُهُ: (وَقُلِ الحَمْدُ للهِ) : أل للاستغراقِ والشُّمولِ، أي الحمدُ كلُّه للهِ، فهو المُستحقُّ للحمدِ لما اتَّصفَ به مِن صفاتِ الكمالِ، والحمدُ هو الثَّناءُ عليه -سُبْحَانَهُ- بما هو أهلُه، والثَّناءُ هو ذكرُ الصِّفاتِ الجميلةِ مرَّةً بعدَ أُخْرى، وأمَّا الثَّناءُ بتقديمِ النُّونِ فيكونُ في الخيرِ والشَّرِّ، وأمَّا المجدُ فهو ذكرُ صفاتِ الجلالِ والعظمةِ، وأمَّا الشُّكرُ فهو فِعلٌ يُنْبِئُ عن تعظيمِ المُنعمِ، بسببِ كونِه مُنْعِمًا، وشرعًا هو صرفُ العبدِ جميعَ ما أنعمَ اللهُ لما خُلِقَ لأجلِه.

والفرقُ بين الحمدِ والشُّكرِ: أنَّ الشُّكرَ يكونُ باللسانِ والجنانِ والأركانِ، أمَّا الحمدُ فلا يكونُ إلا باللسانِ والجنانِ، وأيضًا فإنَّ الشُّكرَ لا يكونُ إلا في مُقابلةِ نعمةٍ، وأمَّا الحمدُ فهو يكونُ في مقابلةِ نعمةٍ وفي غيرِ مقابلةِ نِعمةٍ، قال الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ: والحمدُ نوعانِ: حمدٌ على إحسانِه إلى عبادِه وهو من الشُّكرِ، وحمدٌ لما يستحقُّه من نعوتِ كمالِه، وإنَّما يَستحقُّ ذلك مَنْ هو متَّصفٌ بصفاتِ الكمالِ، وهي أمورٌ وجوديَّةٌ، فإنَّ الأمورَ العدميَّةَ لا حمدَ فيها ولا خيرَ ولا كمالَ، ومعلومٌ أنَّ كلَّ ما يحمدُ فإنَّما يُحمدُ على ما له مِن صفاتِ الكمالِ، فكلُّ ما يُحمدُ به الخلقُ فهو من الخالقِ، فَثبتَ أنَّه المستحِقُّ للمحامدِ كُلِّها، وهو أحقُّ بالحمدِ من كلِّ محمودٍ، وبالكمالِ من كلِّ كاملٍ. اهـ.

قَولُهُ: (الَّذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) : هذا ردٌّ على اليهودِ والنَّصارى والمُشركين، فإنَّ النَّصارى يقولونَ المسيحُ ابنُ اللهِ، واليهودُ يقولونَ العُزيرُ ابنُ اللهِ، والمُشركون يقولونَ الملائكةُ بناتُ اللهِ.

قَولُهُ: (ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَريكٌ في المُلْكِ) : هذا ردٌّ على المجوسِ والمُشركين والقَدَرِيَّةِ.

قَولُهُ: (ولَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِن الذُّلِّ) : أي ليسَ بذليلٍ فيحتاجُ إلى أنْ يكونَ له وليٌّ أو وزيرٌ أو مشيرٌ؛ لأنَّه -سُبْحَانَهُ- عزيزٌ لا يفتقرُ إلى وليٍّ يَحمِيه ويمنعُه مِن الذُّلِّ، فنَفَى الولايةَ على هذا المعنى، لأنَّه غنِيٌّ عنها، ولم يَنفِ الولايةَ على وجهِ المحبَّةِ والكرامةِ لمَن شاءَ مِن عبادِه، فلم ينفِ الوليَّ نفيًا عامًّا مطلقًا، بل نَفَى أنْ يكونَ له وليٌّ مِن الذُّلِّ، وأثبتَ في موضعٍ آخرَ أنْ يكونَ له أولياءٌ بقَولِهِ: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) فهذه موالاةُ رحمةٍ وإحسانٍ، والموالاةُ المنفيَّةُ موالاةُ حاجةٍ وذُلٍّ، كما أشارَ إلى هذا المعنى ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ.

وقَولُهُ: (وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) : أي عَظِّمْه عمَّا يقَولُهُ الظَّالمِونَ المُخالفون للرُّسلِ.

ففي هذه الآيةِ أمَرَ نبيَّه بحمدِه؛ لأنَّه المُستحقُّ أنْ يُحمدَ لما اتَّصفَ به مِن صفاتِ الكمالِ , وفيها تنزيهُهُ -سُبْحَانَهُ- عن الولدِ، وذلك لكمالِ صمديَّتِه -سُبْحَانَهُ- وغِناه وَتَعَبُّدِ كُلِّ شيءٍ له، فاتِّخاذُ الولدِ يُنافي ذلك كما قالَ سُبْحَانَهُ: (قَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ) الآيةَ.

وفيها تنزيهُه -سُبْحَانَهُ- أَنْ يكونَ له شريكٌ في المُلكِ المتضمِّنِ تفرُّدَه بالرُّبوبيَّةِ والألوهيَّةِ، وتوحُّدَه بصفاتِ الكمالِ الَّتي لا يُوصَفُ بها غيرُه. وهذه الآيةُ آيةٌ عظيمةٌ، وتُسَمَّى آيةَ العِزِّ. قال ابنُ كثيرٍ: قال قتادةُ: ذُكِرَ لنا أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- كان يُعَلِّمُ أهلَه هذه الآيةَ الصَّغيرَ والكبيرَ.

قلتُ: وقد جاءَ في حديثٍ"أنَّ الرَّسولَ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- سمَّى هذه الآيةَ آيةَ العِزِّ، وفي بعضِ الآثارِ أنَّها ما قُرِئَتْ في بيتٍ ليلةً فيصيبَه سرقٌ أو آفةٌ. انتهى. مِن كلامِ ابنِ كثيرٍ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت