الصفحة 75 من 233

وقوله ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ ) . [1]

(1) قَولُهُ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا) : أي نظراءَ وأمثالًا يُساويهم في اللهِ بالعبادةِ والمحبَّةِ والتَّعظيمِ، وهؤلاء لا يُساوونهم باللهِ في الرِّزقِ والتَّدبيرِ، وإنَّما يسوُّونهم باللهِ في المحبَّةِ، فيعبُدونَهم ليقرِّبوهم إلى اللهِ زُلفى، فأخبَر -سُبْحَانَهُ- أنَّ مَن أحبَّ من دونِ اللهِ شيئًا كما يُحبُّ اللهَ فهو ممَّن اتَّخذَ من دونِ الله أندادًا، ففيها دليلٌ على أنَّه -سُبْحَانَهُ- لا نِدَّ له، وإنَّما المُشركون جعلوا بعضَ المخلوقاتِ أندادًا له تسميةً مجرَّدةً ولفظًا فارغًا من المعنى، كما قال تعالى: (وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاءَ) الآيةَ، والمذكورُ في الآيةِ هو المحبَّةُ الشِّركيَّةُ المستلزمةُ للخوفِ والتَّعظيمِ والإجلالِ والإيثارِ على مُرادِ النَّفسِ، فمحبَّةُ اللهِ -سُبْحَانَهُ- هي أصلُ دينِ الإسلامِ وبكمالِها يكملُ، فهي أعظمُ الفروضِ، فصرفُها لغيرِ اللهِ شِركٌ أكبرُ، كما قال سُبْحَانَهُ: (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) .

قال ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللهُ: فتوحيدُ المحبوبِ أنْ لا يتعدَّدَ محبوبُه، أي مع اللهِ بعبادتِه له، وتوحيدُ الحبِّ أنْ لا يَبْقى في القلبِ بِقِيَّةُ حُبٍّ حتَّى يبذلَهَا له.

وقَولُهُ: (وَالَّذِينَ آمَنواْ أَشَدُّ حُبًّا للَّهِ) : أي من أصحابِ الأندادِ لأندادِهِم، فمحبَّةُ المؤمِنين لربِّهم لا تُساويها محبَّةٌ، والمعنى والَّذين آمَنوا أشدُّ حُبًّا للهِ من محبَّةِ أهلِ الأندادِ للهِ؛ لأنَّ محبَّةَ المؤمِنين للهِ خالِصةٌ ومحبَّةَ المُشركينَ لله مُشتركةٌ، قد أخَذت أندادُهُم قِسطًا من محبَّتِهم، والمحبَّةُ الخالصةُ أشدُّ من المُشتركةِ، ففي هذه الآياتِ أنَّ مَن أشركَ معَ اللهِ غيرَه في المحبَّةِ فقد جعلَهُ شريكًا للهِ، واتَّخذَ نِدًّا للهِ، وأنَّ ذلك هو الشِّركُ الأكبرُ، فالمحبَّةُ تَنْقَسِمُ إلى أقسامٍ، كما ذكره ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ وغيرُه.

الأوَّلِ: محبَّةُ اللهِ سُبْحَانَهُ، ولا تَكفي وحدَها بالنَّجاةِ من النَّارِ والفوزِ بالجنَّةِ، فإنَّ المُشركين يُحبُّون اللهَ سُبْحَانَهُ. الثَّاني: محبَّةُ ما يُحبُّه اللهُ، وهذه المحبَّةُ هي الَّتي تُدخِلُ في الإسلامِ وتُخرِجُ من الكُفرِ، وأحبُّ النَّاسِ إلى اللهِ أقومُهم بهذه المحبَّةِ. الثَّالثِ: المحبَّةُ في اللهِ وللهِ، وهي فرضٌ كمحبَّةِ أولياءِ اللهِ وبغضِ أعداءِ اللهِ، وهي مِن مُكَمِّلاتِ محبَّةِ اللهِ ومِن لوازمِها، فالمحبَّةُ التَّامَّةُ مستلزمةٌ لموافقةِ المحبوبِ في محبوبِه ومكروهِه وولايتِه وعداوتِه، ومِن المعلومِ أنَّ مَن أحبَّ اللهَ المحبَّةَ الواجبةَ فلا بُدَّ أنْ يَبغضَ أعداءَ اللهِ ويُحبَّ أولياءَه. الرَّابعِ: المحبَّةُ مع اللهِ المحبَّةَ الشِّركيَّةَ، وهي المستلزمةُ للخوفِ والتَّعظيمِ والإجلالِ فهذه لا تصلحُ إلا للهِ سُبْحَانَهُ، ومتى أحبَّ العبدُ بها غيرَ اللهِ فقد أشركَ الشِّركَ الأكبرَ. الخامسِ: المحبَّةُ الطَّبيعيَّةُ وهي ميلُ الإنسانِ إلى ما يُلائِمُ طبعَه، كمحبَّةِ المالِ والولدِ ونحوِ ذلك، فهذه المحبَّةُ لا تُذَمُّ إلا إنْ أشغلتْ وألهتْ عن طاعةِ اللهِ كما قال سُبْحَانَهُ: (يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت