فهرس الكتاب
وقوله (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) ، وقَوْلُهُ: ( فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمونَ ) . [1]
(1) قَولُهُ: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) : قد تقدَّم الكلامُ على ذلك.
وقَولُهُ: (فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدادًا) : أي أمثالًا ونظراءَ تَعبدونهم كعبادتِه وتُساوونَهم به في المحبَّةِ والتَّعظيمِ، فلا نِدَّ له في ذاتِه ولا في صفاتِه، ولا في أفعالِه ولا في عبادتِه، والنِّدُّ في اللغةِ: المِثلُ والنَّظيرُ والشَّبيهُ، يُقالُ فلانٌ نِدُّ فلانٍ، أي شبيهُه ونظيرُه، كما قال حسَّانُ بنُ ثابتٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ:
أتهجُوهُ ولستَ له بندٍّ فشرُّكُما لخيرِكُمَا الفِدَاءُ
واتِّخاذُ النِّدِّ ينقسمُ إلى قِسمينِ: قسمٍ من الشِّركِ الأكبرِ، كاتِّخاذِ ندٍّ يدعوُه أو يرجُوه أو يخافُه أو يذبحُ له أو ينذرُ له ونحوِ ذلك، كما في الصَّحيحينِ عن ابنِ مسعودٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ قال: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: (( أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ) )الحديثَ. قال ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللهُ في كتابِه (( الكافيةِ الشَّافيةِ ) ):
والشِّركُ فاحذرْهُ فشركٌ ظاهرٌ ذا القسمُ ليسَ بقابلِ الغُفرانِ
وهو اتِّخاذُ النِّدِّ للرَّحمنِ أيْ يَّا كانَ مِنْ حَجَرٍ ومِن إنسانِ
يدْعُوهُ أو يرجوهُ ثمَّ يخافُهُ ويحبُّه كمحَبَّةِ الرَّحمنِ
القسمِ الثَّاني: ما هو مِن نوعِ الشِّركِ الأصغرِ كقولِ الرَّجلِ: ما شاء اللهُ وشئتَ، ولولا اللهُ وأنتَ. لم يكنْ كذا، والحلفُ بغيرِ اللهِ ونحوِ ذلك، كما في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّ رجلًا قال للنَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: ما شاءَ الله وشئتَ، فقال النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( أَجَعَلْتَنِي للهِ نِدًّا؟ قُلْ: مَا شَاءَ اللهُ وحدَهُ ) )أخرجه النَّسائيُّ وابنُ ماجةَ.
قَولُهُ: (وَأنتمْ تَعْلَمونَ) : أي إنَّهُ ربُّكم وخالقُكم وخالقُ كلِّ شيءٍ، فهو المُستحقُّ للعبادةِ، فكيفَ تجعلونَ له أندادًا وقد عَلِمتم أنَّه لا نِدَّ له يشارِكُهُ في فعلِه؟!
ففي هذه الآيةِ: الرَّدُّ على جميعِ فرقِ الضَّلالِ، ففيه الرَّدُّ على المشبِّهةِ الَّذين يشبِّهون اللهَ بخلقِه، والَّذين يشبِّهون خلقَه به، كعبَدَةِ الأوثانِ، وفيها الرَّدُّ على القَدَرِيَّةِ الَّذين يزعُمونَ: أنَّ العبدَ يخلقُ فعلَ نفسِه استقلالًا بدونِ مشيئةِ اللهِ، فيكونُ شريكًا للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- وندًّا، وفيها الرَّدُّ على المعطِّلَةِ الَّذين نفَوا صفاتِ اللهِ فرارًا مِن التَّشبيهِ فشبَّهوه بالمعدوماتِ والنَّاقصاتِ، وفيها دليلٌ على أنَّ معرفةَ اللهِ والإقرارَ به فِطريٌّ ضروريٌّ، فطرَ اللهُ عليه العبادَ، كما في الحديثِ: (( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ وَيُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ) ).
وإنْ كانَ بعضُ النَّاسِ قد يحصلُ له ما يُفسِدُ فطرتَه حتَّى يحتاجَ إلى نظرٍ تحصلُ به المعرفةُ، كما قالَ تعالى: (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ) ، أي أَيُشَكُّ في اللهِ حتَّى يُطلبَ إقامةُ الدَّليلِ على وجودِهِ؟، وأيُّ دليلٍ أصحُّ وأظهرُ مِن هذا المدلولِ، قال ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللهُ: وسمعتُ شيخَ الإسلامِ يقولُ: كيف يُطلبُ الدَّليلُ على مَنْ هو دليلٌ على كلِّ شيءٍ؟ وكانَ كثيرًا يتمثَّلُ بهذا البيتِ:
ولَيْسَ يَصِحُّ في الأذهانِ شيءٌ إذا احتَاجَ النَّهارُ إلى دَليلِ
وقد تكلَّمَ الشَّيخُ ابنُ تَيْمِيةَ رحمهُ اللهُ على قولِ مَن قالَ: إنَّ أوَّلَ واجبٍ هو النَّظرُ أو القصدُ إلى النَّظرِ أو الشَّكِ، وبيَّن أنَّها كلَّها غلطٌ مخالفٌ للكتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ السَّلفِ والأئمَّةِ، وباطلةٌ بالعقلِ أيضًا، وقرَّرَ هو وغيرُه أنَّ أوَّلَ واجبٍ على العبدِ هو التَّوحيدُ، كما في حديثِ معاذٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ، حيثُ بعثه النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- إلى اليمنِ وقال: (( فَلْيَكُنْ أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُم إِلَيْهِ شَهَادَةَ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ) )وفي روايةٍ: (( إِلَى أنْ يوحِّدُوا اللهَ ) )وكذلك جميعُ الرُّسلِ أوَّلُ ما يَفْتَتِحُون دعوتَهُم بالدَّعوةِ إلى التَّوحيدِ.
وقال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ: أولُّ مَن أنكرَ معرفةَ اللهِ الفطريَّةَ هم أهلُ الكلامِ الَّذين اتَّفقَ السَّلفُ على ذَمِّهمْ من الجهميَّةِ والقَدَريَّةِ، وهم عندَ سلفِ الأمَّة مِن أجهلِ الطَّوائفِ وأضلِّهم. انتهى. وفيها الرَّدُّ على مَن زعَم أنَّ القرآنَ مخلوقٌ بقَولِهِ: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) ويزعمُ: أنَّ جَعَلَ بمعنى خَلَقَ، فردَّ أحمدُ عليهم بقَولِهِ سُبْحَانَهُ: (فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا) فليستْ جعلَ بمعنى خَلَقَ هنا. وفيها أنَّه -سُبْحَانَهُ- يحتجُّ على المُشركينَ بإقرارهِم بتوحيدِ الرُّبوبيَّةِ على إثباتِ توحيدِ الألوهيَّةِ. وفيها الاستدلالُ بهذه المخلوقاتِ على وجودِه سُبْحَانَهُ، فهي دليلٌ وآيةٌ على توحيدِ اللهِ -سُبْحَانَهُ- وإثباتِ أسمائِه وصفاتِه وكمالِه وصدقِ رُسلِه عليهمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُروى أنَّه سُئِلَ بعضُ الأعرابِ: ما الدَّليلُ على وجودِ الرَّبِّ؟ فقالَ للسَّائلِ: يا سبحانَ اللهِ إنَّ البَعْرَ ليدلُّ على البعيِرِ وإنَّ أثرَ الأقدامِ لَيدلُّ على المسيرِ، فسماءٌ ذاتُ أبراجٍ، وأرضٌ ذاتُ فجاجٍ، وبحرٌ ذاتُ أمواجٍ، ألاَ يدلُّ ذلك على وجودِ اللطيفِ الخبيرِ؟!