فهرس الكتاب
وقَوْلُهُ: ( فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ) . [1]
(1) قَولُهُ: (فَاعْبُدْهُ) : أي أَفْرِدْهُ بالعبادةِ ولا تعبدْ معه غيرَه، وهذا أمرٌ بإفرادِه -سُبْحَانَهُ- بالعبادةِ، ويتضمَّنُ النَّهْيَ عن عبادةِ ما سِواه، وعبادتُه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- هي أعظمُ واجبٍ، والإشراكُ به هو أعظمُ محرَّمٍ على الإطلاقِ، والعبادةُ لغةً: الذُّلُّ، يُقالُ طريقٌ معبَّدٌ إذا كان مذلَّلًا قد وطئَتهُ الأقدامُ كما قالَ الشَّاعرُ:
تباري عتاقًا ناجياتٍ وأَتْبَعَتْ وضيفًا وضيفًا فوقَ مورٍ معبَّدِ
والعبادةُ شرعًا:"ما أُمرَ به شرعًا من غيرِ اطِّرادٍ عُرفيٍّ ولا اقتضاءٍ عقليٍّ"، وعرَّفَها الشَّيخُ تقِيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ رحمهُ اللهُ تعالى بقَولِه:"العبادةُ اسمٌ جامِعٌ لكلِّ ما يحبُّه اللهُ وَيَرضَاه، مِن الأقوالِ والأعمالِ الباطنةِ والظَّاهرةِ، كالصَّلاةِ، والصَّومِ، والحجِّ، ونحوِ ذلك،"وفيها دليلٌ على أنَّ العبادةَ تجبُ على كلِّ مكلَّفٍ، وأنَّه مهما بلغَ فلنْ يصلَ إلى حدٍّ تسقطُ عنه التَّكاليفُ الشَّرعيَّةُ، ومَن زعَمَ ذلك فهو كافرٌ باللهِ العظيمِ، فإنَّ قَولَهُ: (فَاعْبُدْهُ) خِطابٌ لنبيِّه، وأمَّتُهُ تبعٌ له، فإذا كانَ هذا في حقِّه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فغيرُه مِن بابِ أوْلى وأحَرْى، وللعبادةِ شروطٌ لا تصِحُّ إلا بها:
الأوَّلُ: الإخلاصُ، وهو أنْ يكونَ العملُ للهِ سُبْحَانَهُ وتعالى. الثَّاني: المُتابعةُ، وهو أنْ يكونَ العملُ على سُنَّةِ رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- كما قالَ تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) فقَولُهُ: (مَنْ) إشارةٌ إلى الإخلاصِ، وقَولُهُ: (وَهُوَ مُحْسِنٌ) إشارةٌ إلى المُتابعةِ، وقال الفُضَيْلُ بنُ عياضٍ في قَولِهِ سُبْحَانَهُ وتعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) قال: أخلصُه وأصوبُه، قيل: يا أبا عليٍّ، ما أخلصُه وأصوبُه؟ قال: إنَّ العملَ إذا كانَ خالِصًا ولم يكنْ صوابًا لم يُقبلْ، وإذا كانَ صوابًا ولم يكنْ خالصًا لم يُقبلْ حتَّى يكونَ خالصًا صوابًا، والخالصُ أنْ يكونَ للهِ، والصَّوابُ أنْ يكونَ على سُنَّةِ رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، وللعبادةِ ثلاثةُ أركانٍ وهي: المحبَّةُ والخوفُ والرَّجاءُ.
قَولُهُ: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) : أي هل تعلمُ له مُساميًا ومُشابهًا ومُماثلًا من المَخلُوقين؟ وهذا استفهامٌ بمعنى النَّفيِ المعلومِ بالعقلِ، أي: لا تعلمُ له مُشابهًا؛ لأنَّه الرَّبُّ وغيرُه المربوبُ، الغَنِيُّ مِن جميعِ الوجوهِ، وغيرُه الفقيرُ، الكاملُ الَّذي له الكمالُ المُطلقُ من جميعِ الوجوهِ، وغيرُه ناقِصٌ من جميعِ الوجوهِ، فهذا بُرهانٌ قاطِعٌ على أنَّه هو المُستحِقُّ للعبادةِ، وأنَّ عِبادةَ غيرِه باطِلةٌ، وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّه لا مِثلَ له ولا شبيهَ ولا نظيرَ، لا في ذاتِه ولا في صِفاتِه، ولا في أسمائِه ولا في أفعالِه، وهذا النَّفيُ متضمِّنٌ لإثباتِ جميعِ صفاتِ الكمالِ على وجهِ الإكمالِ، وهذا هو المعقولُ في فِطَرِ النَّاسِ، فإذا قالوا: فلانٌ لا مِثْلَ له ولا شبهَ له، فإنَّهم يُريدون: أنَّه تفرَّدَ في الصِّفاتِ والأفعالِ والمجدِ فلا يلحقُه فيه غيرُه، وفي الآيةِ دليلٌ على إثباتِ الصِّفاتِ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- كما يليقُ بجلالِ اللهِ وعظمتِه، وفيه دليلٌ على كثرةِ الصِّفاتِ وعظمتِها، فلو كان المرادُ به نفيَ صفاتِه لكان ذلك وصفًا بغايةِ الذَّمِّ، فإنَّ النَّفيَ المحضَ عدمٌ، والعدمُ لا يُمدحُ به أحدٌ، وإنَّما يكونُ النَّفيُ كمالًا إذا تضمَّنَ الإثباتَ، كقَولِهِ تعالى: (لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ) ، أي لكمالِ حياتِه وقيُّوميَّتهِ.
وفيه دليلٌ على نفيِ المثليَّةِ، فاتِّفاقُ اسمِ الخالقِ واسمِ المخلوقِ لا يَقْضي بتماثُلِهما، فصفاتُ الخالقِ تُناسبهُ وتليقُ بذاتِه، وصفاتُ المخلوقِ تناسبُه.