فهرس الكتاب
وقولُهُ عن إِبلِيسَ: ( فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعينَ ) ،وقَوْلُهُ: ( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ ) [1]
(1) قَولُهُ: (فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعينَ) : فيه دليلٌ على الحلفِ بعزَّةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وكذا غيرُها من صفاتِه، وفيه دليلٌ على أنَّ صِفاتِ اللهِ غيرُ مخلوقةٍ، إذ الحَلِفُ بالمخلوقِ شِركٌ، وفيه إثباتُ العزَّةِ للهِ -سُبْحَانَهُ- ردًّا على مَن قالَ: عزيزٌ بلا عزَّةٍ، كما قالُوا: إنَّه عليمٌ بلا علمٍ، والعزَّةُ المضافةُ إليه -سُبْحَانَهُ- تنقسمُ إلى قِسمين: قسمٍ يضافُ إليه -سُبْحَانَهُ- من بابِ إضافةِ المخلوقِ إلى خالقِه، وهي العزَّةُ المخلوقةُ الَّتي يِعزُّ بها أنبياءَه وعبادَه الصَّالحينَ.
والثَّاني: يُضافُ إليه من بابِ إضافةِ الصِّفةِ إلى الموصوفِ، كما في هذه الآيةِ، وكما في الحديثِ: (( أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ ) ).
قَولُهُ: (تَبَارَكَ) : أي تعاظَمَ، وهو فعلٌ ماضٍ لا يتصرَّفُ، وهو خاصٌّ باللهِ -سُبْحَانَهُ- وتعالى، والبركةُ لغةً: النَّماءُ والزِّيادةُ، والتَّبريكُ: الدُّعاءُ بذلك، قال ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ تعالى: البركةُ نَوعانِ:
أحدُهما: بركةٌ هي فِعلُه، والفعلُ منها باركَ، والمفعولُ منها مُباركٌ، وهو ما جَعلَ فيها ذلك، فكانَ مُباركًا بجعلِه سُبْحَانَهُ.
والثَّاني: بركةٌ تُضافُ إليه إضافةَ الرَّحمةِ والعزَّةِِ، والفعلُ منها تبَاركَ، ولهذا لا يُقالُ لغيرِهِ ذلك ولا يصلحُ إلا له سُبْحَانَهُ، فهو المتبارِكُ ورسولُه مُبارَكٌ. كما قالَ المسيحُ: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنتُ) وأمَّا صِفتهُ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- تباركَ فمختصَّةٌ به -سُبْحَانَهُ-، كما أطْلقَها على نفسِه. انتهى، مُلخَّصًا مِن (( البدائعِ ) ).