الصفحة 71 من 233

وقولُه: ( وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنينَ ) . [1]

(1) قَولُهُ: (وَلِلَّهِ العِزَّةُ) : يعني الغلبةَ والقدرةَ، فمن يردْ العزَّةَ فليطلُبْهَا بطاعةِ اللهِ وطاعةِ رسولهِ، فالعزَّةُ والعلوُّ إنَّما هما لأهلِ الإيمانِ، قال تعالى: (وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مَّؤْمِنِينَ) فللعبدِ من العلُوِّ بحسبِ ما معه من الإيمانِ، قال تعالى: (وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنينَ) فلهُ من العزَّةِ بحسبِ ما معه من الإيمانِ وحقائقِه، فإذا فاتَه حظُّه من العُلوِّ والعزَّةِ ففي مقابَلةِ ما فاتَه من حقائقِ الإيمانِ عِلمًا وعَملًا، ظاهرًا وباطِنًا، فالمؤمنُ عزيزٌ عالٍ مُؤَيَّدٌ منصورٌ مُكفىٌّ مدفوعٌ عنه بالذَّاتِ أينَ كان، ولو اجتمعَ عليه من أقطارِها إذا قامَ بحقيقةِ الإيمانِ وواجباتِه، فمنْ نقصَ إيمانُه نقصَ نصيبُهُ من النَّصرِ والتَّأييدِ بحسبِ ما نَقصَ من إيمانِه، انتهى. مِن كلامِ شيخِ الإسلامِ بتصرُّفٍ.

وفي هذه الآيةِ إثباتُ العزَّةِ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- الكاملةِ من جميعِ الوجوهِ، قال تعالى: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) والعزَّةُ في الأصلِ؛ القوَّةُ والغلبَةُ والشِّدَّةُ، تقول: عزَّ يَعِزُّ بكسرِ العينِ إذا صارَ عزيزًا، وعَزَّ يَعَزُّ بالفتحِ إذا اشتدَّ وقوِيَ، ومنه أرضٌ عزازٌ، أي صلبةٌ، وعَزَّ يعُزُّ بالضَّمِّ إذا غلبَ وقهَرَ، فلاسمِه العزيزِ -سُبْحَانَهُ- ثلاثةُ معانٍ:

الأوَّلُ: بمعنى المُمتنعِ الجنابِ عن أنْ يصلَ إليه ضررٌ أو يلحقَهُ نقصٌ أو عيبٌ، كقَولِهِ: (وَمَا ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) .

الثَّاني: بمعنى القوَّةِ كقَولِهِم: (( مِن عزيزٍ ) ).

الثَّالثُ: بمعنى غلبةِ الغيرِ وقهرِه، ومنه: (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ) : أي غلَبَنِي.

وكلُّ هذه المعاني ثابِتَةٌ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- بِمُقتَضى اسمهِ العزيزِ، كما قال: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فَألْ تفيدُ الاستغراقَ والشُّمولَ لجميعِ معانِي العِزِّ، قال ابنُ القيِّمِ في (( النُّونيَّةِ ) ):

وهو العزيزُ فَلَنْ يُرامَ جنابُه أنَّى يُرامُ جنابُ ذي سُلطانِ

وهو العزيزُ القاهِرُ الغلاَّبُ لمْ يغلبْهُ شيءٌ، هذه صِفتانِ

وهو العزيزُ بقوَّةٍ هي وصفهُ فالعِزُّ حينئذٍ ثلاثُ معانِ

وهي الَّتي كَمُلَتْ له -سُبْحَانَهُ- مِن كلِّ وجهٍ عادمِ النُّقصانِ

قال ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ في كتابِ (( المدارجِ ) ): فاسمُه العزيزُ يتضمَّنُ كمالَ قدرتِه وقوَّتِه وقهرِه، وهذه العِزَّةُ مستلزِمةٌ للوحدانيَّةِ، إذ الشَّركةُ تُنقصُ كمالَ العزَّةِ. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت