الصفحة 70 من 233

وقَوْلُهُ: ( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) . [1]

(1) قَولُهُ: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) : العفْوُ: السَّترُ و التَّجاوزُ، والصِّفحُ: الإعراضُ، مشتقٌّ مِن صفحةِ العُنُقِ، وهو أنْ يُعرِضَ عن عقابِ المُذنبِ وعتابِه، وكأنَّه ولاَّه صفحةَ عُنقهِ، وهو أبلغُ مِن العفوِ؛ لأنَّ الصَّفحَ لا لومَ فيه ولا تَثريبَ.

هذه الآيةُ نزلَتْ في شأنِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ حين حلفَ أنْ لا يُنْفِقَ على مِسطَحٍ ابنِ خالتِه لخوضِه في أمْرِ عائشةَ، وكان مسكينًا بدريًّا مهاجِرًا، فلمَّا تلاها النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- على أبي بكرٍ قالَ: بلى أحِبُّ أنْ يغفرَ اللهُ لي، وردَّ على مِسطحٍ نفقتَه.

وقَولُهُ: (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) : غفورٌ، أي كثيرُ المغفرةِ، وقد تقدَّمَ الكلامُ على ذلك، في هذه الآياتِ وصفُه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- بالعفوِّ والغفُورِ، وفيها الحثُّ على الصَّفحِ والعفوِ ومكارمِ الأخلاقِ ومعالِي الأمورِ، وفيها أنَّ ما ذُكِرَ سببٌ للمغفرةِ، وفيها دليلٌ على أنَّ الجزاءَ من جنسِ العملِ، والأدلَّةُ على ذلك في الكتابِ والسُّنَّةِ كثيرةٌ، وفيها حِلمُ اللهِ -سُبْحَانَهُ- وكرمُه ولطفُه بعبادِه مع ظُلمهِم لأنفسِهم، وفيها إثباتُ فعلِ العبدِ وأنَّه فاعلٌ حقيقةً، والرَّدُّ على المجبرةِ الَّذين يزعمونَ أنَّ العبدَ لا فِعلَ له، وإنَّما يُنسبُ إليه الفعلُ على جهةِ المجازِ، ولو كان الأمرُ كما يزعمونَ لم يُؤمرْ بما ذُكِر، ولم يُنسبْ إليه الفعلُ، ولم يعاقَبْ على سوءٍ، وقَولُهُم باطلٌ تردُّه أدلَّةُ الكتابِ والسُّنَّةِ، بل الفطرةُ والعقلُ وطردُه يَخْتلُّ به النِّظامُ، ولا يمكنُ أنْ تعيشَ عليهِ أمَّةٌ أبدًا.

قال ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللهُ تعالى: ثمَّ ختَمَ الآيةَ بصِفَتينِ من صفاتِه -سُبْحَانَهُ- مُناسِبتين لِما تضمَّنته، فقال: (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ففيه إشارةٌ إلى أنَّ كُلَّ اسمٍ يناسِبُ ما ذُكِرَ معه واقترَنَ به من فعلِه وأمرِه سُبْحَانَهُ، وفيها أنَّ أسماءَ الرَّبِّ مشتقَّةٌ من أوصافٍ ومعانٍ قامتْ به سُبْحَانَهُ، فهي أسماءٌ وهي أوصافٌ وبذلك كانت حُسنى، إذ لو كانتْ ألفاظًا لا معانيَ لها لم تكنْ حُسنى، ولا كانتْ دالَّةً على المدحِ ولا الكمالِ، ولَسَاغ وقوعُ أسماءِ الانتقامِ والغضبِ في مقامِ أسماءِ الرَّحمةِ والإحسانِ، فيُقالُ اللهمَ إنِّي ظلمتُ نفسي فاغفرْ لي إنَّك أنتَ المنتقمُ، ونحوُ ذلك، ونفيُ معاني أسمائِه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- من أعظمِ الإلحادِ فيها.انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت