فهرس الكتاب
وَقَولُهُ: ( الرَّحْمنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى ) في [ سبعة ] مواضعَ: [ في سورةِ الأعرافِ قولُه: ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ) .[1]
(1) قَولُهُ: (الرَّحْمنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى) : في سبعةِ مواضعَ، أي إنَّه نصٌّ في معناه لا يحتملُ التَّأويلَ، وصريحٌ في أنَّه بذاتِه استوى استواءً يليقُ بجلالِه وعظمتِه.
قَولُهُ: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ) : أي هو المعبودُ وحدَه لا شريكَ له وعبادةُ غيرهِ باطلةٌ.
قَولُهُ: (الَّذي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ) : خَلَقَ، أي أَنْشَأَ وَأَوْجَدَ، والخلقُ هو: اختراعُ الشَّيءِ على غيرِ مثالٍ سبقَ، ففيه إضافةُ الفعلِ والخلقِ إليه -سُبْحَانَهُ- على جهةِ الحقيقةِ؛ لأنَّها الأصلُ، وقد ردَّ ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ على مَن زعمَ أنَّ خلقَهُ وفِعلَه مجازٌ من وجوهٍ عديدةٍ.
قَولُهُ: (في سِتَّةِ أَيَّامٍ) : أوَّلُها يومُ الأحدِ وآخرُها يومُ الجمعةِ، وفيه اجتمعَ الخلقُ كلُّهم وهذه الأيَّامُ كأيَّامنا، هذا هو المُتبادرُ إلى الأذهانِ وهو ظاهرُ الأدلَّةِ.
قَولُهُ: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ) أي استوى استواءً يليقُ بجلالِه وعظمتِه، لا تُكيِّفُه ولا تُمثِّلُه ولا يَعلمُ كيف هوَ إلا هوَ، كما قال مالكٌ: الاستواءُ معلومٌ والكيفُ مجهولٌ والإيمانُ به واجبٌ والسُّؤالُ عنه بدعةٌ، فقولُ مالكٍ: الاستواءُ معلومٌ، أي في لغةِ العربِ، وقَولُهُ: والكيفُ مجهولٌ، أي كيفيَّةُ استوائِه لا يعلمُها إلا هوَ، والإيمانُ به أي بالاستواءِ واجبٌ لتكاثُرِ الأدلَّةِ في إثباتِه، والسُّؤالُ عنه، أي عن الكيفيَّةِ بدعةٌ إذ لاَ يَعلمُ كيفيَّةَ استوائِه إلا هو، فإنَّ الكلامَ في الصِّفاتِ فرعٌ عن الكلامِ في الذَّاتِ، فكما نعلمُ أنَّ للهِ ذاتًا لا تشبهُ الذَّواتِ، فكذلك يجبُ أَنْ نُثبتَ له صفاتٍ لا تُشبهُ الصِّفاتِ، فإثباتُنا للصِّفاتِ إثباتُ وجودٍ لا إثباتُ تكييفٍ وتمثيلٍ، إذ العلمُ بالصِّفةِ فرعٌ عن العلمِ بالموصوفِ، ولا يعلمُ كيفَ هو إلا هو، وكذلك يُقالُ في بقِيَّةِ الصِّفاتِ، كصفةِ المجيءِ والنُّزولِ والإتيانِ والوجهِ واليدِ ونحوِ ذلك، فهذا الجوابُ الواردُ عن مالكٍ رحمه الله كافٍ شافٍ في سائرِ الصِّفاتِ.
قال الذَّهبيُّ: فانْظُر إليهم كيفَ أثبتُوا الاستواءَ للهِ وأخبروا أنَّه معلومٌ لا يحتاجُ لفظهُ إلى تفسيرٍ، ونفَوا عنه الكيفيَّةَ، أمَّا معنى الاستواءِ في اللغةِ فلها أربعةُ معانٍ تأتي بمعنى عَلا وبمعنى ارتفعَ وبمعنى صَعِد واستقرَّ كما قال ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ في كتابِه المُسمَّى بـ (النُّونيَّةِ) :
ولهم عباراتٌ عليها أربعٌ قد فُسِّرتْ للفارسِ الطَّعَّانِ
وهي استقَرَّ وقد علاَ وكذلك ار تفعَ الَّذي ما فيه من نُكرانِ
وكذاكَ قد صَعِدَ الَّذي هو رابعٌ وأبو عبيدةَ صاحبُ الشَّيباني
يختارُ هذا القولَ في تفسيرهِ أدرى من الجهميِّ بالقرآنِ
والأشعريُّ يقولُ تفسيرُ استوى بحقيقةِ استولى على الأكوانِ
فهذه الأربعةُ الَّتي ذكرَها ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ هي الَّتي تدورُ عليها تفاسِيرُ السَّلفِ رحمهم اللهُ، قال البخاريُّ رحمه اللهُ في صحيحِه: قال مجاهدٌ: استوى عَلى العرشِ، وقال إسحاقُ بنُ راهَويهِ سمعتُ غيرَ واحدٍ من المُفسِّرين يقولون: (الرَّحْمنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى) ، أي ارتفعَ، وقال محمَّدُ بنُ جريرٍ في قَولِهِ: (الرَّحْمنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى) ، أي علا وارتفعَ، وشواهدُه في أقوالِ الصَّحابَةِِ والتَّابعين وأتباعِهم معروفةٌ.
وأمَّا تفسيرُ: (اسْتَوى) باسْتَولى أو مَلَكَ أو قَهَرَ فهو تفسيرٌ باطلٌ مردودٌ من وجوهٍ عديدةٍ.
منها: أنَّ هذا التَّفسيرَ لم يفسِّرْه به أحدٌ مِن السَّلفِ لا مِن الصَّحابة ولا مِن التَّابعيَن، بل أوَّلُ من عُرِفَ عنه هذا التَّفسيرُ بعضُ الجهميَّةِ والمعتزلةِ.
ثانيا: أنَّ الاستواءَ في لغةِ العربِ الَّذين نزلَ القرآنُ بلغتِهم نوعانِ: مطلقٌ ومقيَّدٌ، فالمطلقُ ما لم يقيَّدْ بحرفٍ، كقَولِهِ تعالى: (لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى) وهذه معناها تمَّ وكمُلَ، وأمَّا المقيَّدُ فثلاثةُ أنواعٍ: أحدُها مقيَّدٌ بإلى كقَولِهِ: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّماءِ) وهذا بمعنى العلُوِّ والارتفاعِ بإجماعِ السَّلفِ، الثَّاني: مقيَّدٌ بِعلى كقَولِهِ: (لِتَسْتَوُواْ عَلَى ظُهُورِهِ) وقَولِهِ: (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) وهذا أيضًا معناه العلوُّ والارتفاعُ والاعتدالُ بإجماعِ أهلِ اللغةِ، الثَّالثُ: المقرونُ بواوِ المعيَّةِ، كقَولِهِم: استوى الماءُ والخشبةَ، وهذا بمعنى سَاواها، فهذه معانِي الاستواءِ المعقولةِ في كلامهِم ليسَ فيها معنى استولى ألبتَّةَ، ولا نقلَهُ أحدٌ من أئمَّةِ اللغةِ، وإنَّما قاله متأَخِّرو النُّحاةِ ممَّن سلكَ طريقَ الجهميَّةِ والمعتزلةِ، مستدلِّين ببيتٍ للأخطلِ النَّصرانيِّ وهو قَولُهُ:
قد استوى بشرٌ على العراقِ من غيِر سيفٍ أو دمٍ مِهْراقِ
وهذا البيتُ ليسَ من شعرِ العربِ، وأهلُ اللغةِ لمَّا سَمِعوه أنكرُوه غايةَ الإنكارِ، ولم يجعلوه من لغةِ العربِ.
ثالِثًا: أنَّ معنى هذه الكلمةِ مشهورٌ، كما قال مالكٌ وربيعةُ وغيرُهم.
رابعا: أنَّه لو لم يكنْ معنى الاستواءِ في الآيةِ معلومًا لم يحتجْ أنْ يقولَ: والكيفُ مجهولٌ؛ لأنَّ نفيَ العلمِ بالكيفِ لا يَنفي إلا ما قد عُلمَ أصلُه.
خامسا: أنَّ الاستواءَ خاصٌّ بالعرشِ، وأمَّا الاستيلاءُ فهو عامٌّ على سائرِ المخلوقاتِ، فلو كان معنى الاستواءِ الاستيلاءَ لجازَ أنْ يقولَ اسْتَوى على الماءِ والهواءِ والأرضِ.
سادسا: أنَّه أخبرَ بخلقِ السَّماواتِ والأرضِ في ستَّةِ أيامٍ ثمَّ استوى على العرشِ، وأخبَر أنَّ عرشَه على الماءِ قبلَ خلقِهما، والاستواءُ متأخِّرٌ عن خلقِهنَّ، واللهُ مستولٍ على العرشِ قبلَ خلقِ السَّماواتِ وبعدَه، فَعُلِمَ أنَّ الاستواءَ على العرشِ الخاصِّ به غيرُ الاستيلاءِ العامِّ عليه وعلى غيرهِ.
سابعًا: أنَّه لم يثبتْ في اللغةِ أنَّ معنى (اسْتَوَى) استولى، إذ الَّذين قالوا ذلك عُمْدَتُهم البيتُ المذكورُ، ولم يَثبتْ نقلٌ صحيحٌ أنَّه عربيٌ، وغيرُ واحدٍ من أئمَّةِ اللغةِ أنكروه وقالوا بيتٌ مصنوعٌ لا يُعرفُ في اللغةِ، فكيف تُعارَضُ أدلَّةُ الكتابِ والسُّنَّةِ ببيتِ شعرٍ لنصرانيٍّ، ومع ذلك لم يثبتْ، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ رحمهُ اللهُ في (لاميَّتِه) المشهورةِ:
قبحًا لمن نبذَ الكتابَ وراءَه وإذا استدلَّ يقولُ قالَ الأخطلُ
وقال ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللهُ في كتابهِ النُّونيَّةِ:
ودليلُهم في ذاكَ بيتٌ قالهَ فيما يقالُ الأخطلُ النَّصراني
إلى غيرِ ذلك من الوجوهِ الَّتي ذكرَها أهلُ العلمِ في ردِّ وإبطالِ هذا التفسيرِ، وقد أنْهاها ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ إلى اثْنينِ وأربعينَ وجهًا.
قَولُهُ: (العَرْشِ) هو لغةً: عبارةٌ عن السَّريرِ الَّذي للملكِ، كما قال تعالى عن بلقيسَ: (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) فالعرشُ سريرٌ ذو قوائمَ تحمِلُه الملائكةُ، وهو كالقبَّةِ على العالمِ وهو سقفُ المخلوقاتِ.
قال البيهقيُّ رحمهُ اللهُ: اتَّفقتْ أقاويلُ أهلِ التَّفسيرِ على أنَّ العرشَ هو السَّريرُ، وأنَّهُ جسمٌ خلقَه اللهُ وأمَرَ ملائكتَه بحملِه، وتَعَبَّدَهُم بتعظيمِه والطَّوافِ به، كما خلقَ بيتًا في الأرضِ وأمر بني آدمَ بالطَّوافِ به واستقبالهِ، وقد اختلفَ العلماءُ في السَّابقِ بالخلقِ هل هو العرشُ أو القلمُ، ونَظَّم ذلك ابنُ القيِّمِ في (النُّونيَّةِ) بقَولِهِ:
والنَّاسُ مختلفونَ في القلمِ الَّذي كُتبَ القضاءُ به من الديَّانِ
هل كانَ قبلَ العرشِ أو هو بعدَه قولان عندَ أبي العَلا الهمذانِي
والحقُّ أنَّ العرشَ قبلُ لأنَّه قبلَ الكتابةِ كان ذا أركانِ
وكتابةُ القلمِ الشِّريفِ تعقَّبتْ إيجادَه من غيرِ فصلِ زمانِ