الصفحة 82 من 233

وقوله تعالى: (يُغْشِي الْلَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا) [1] .

(1) قَولُهُ: (يُغْشِي) : أي يُغطِّي (اللَّيْلُ النَّهَارَ ) فيذهبُ ظلامُ هذا بضياءِ هذا، وضياءُ هذا بظلامِ هذا، وكلٌّ منهما يطلبُ الآخرَ طلبًا حثيثًا، أي سريعًا لا يتأخَّرُ عنه، بل إذا ذهَب هذا جاء هذا وعكسُه.

قَولُهُ: (الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنَّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ) أي الجميعُ تحتَ قهرِه وتصريفِه ومشيئتِه.

قَولُهُ: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ) : أي هو خالقُ كلِّ شيءٍ، وهذا عامٌّ فيشملُ أفعالَ العبادِ، وله الأمرُ، أي الملكُ والتَّصرُّفُ، فلا رادَّ لأمرِه ولا مُعَقِّبَ لحكمِه، والأمرُ ينقسم إلى قسمين: أمرٍ شرعيٍّ دينيٍّ كقَولِهِ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ) وأمرٍ كونيٍّ قدريٍّ كقَولِهِ: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نَّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا) الآيةَ. تضمَّنتْ هذه الآيةُ إثباتَ أنواعِ التَّوحيدِ الثَّلاثةِ، وأفادت الرَّدَّ على الفلاسفةِ القائِلين بِقِدَمِ هذه المخلوقاتِ، وأفادتْ عمومَ خلقِه لهذه المخلوقاتِ، فيشملُ ذواتِها وصفاتهِا، وأفادتِ الاستدلالَ بهذه المخلوقاتِ على وجودِ الخالقِ، وأفادتْ إثباتَ أسمائهِ وصفاتهِ وأنَّه المستحقُّ للعبادةِ، وأفادتْ إثباتَ صفةِ الخلقِ، وأفادتْ إثباتَ الأفعالِ الاختياريَّةِ اللازمةِ والمتعدِّيةِ.

وأفادتْ إثباتَ خلقِ السَّماواتِ ووجودِها، وأفادتْ تعدُّدَها، وأفادتْ فضلَ السَّماءِ على الأرضِ، وأفادتْ أنَّ خلقَ هذه المخلوقاتِ في ستَّةِ أيامٍ، أوَّلُها يومُ الأحدِ، وأفادتْ إثباتَ الاستواءِ على العرشِ استواءً يليقُ بجلالهِ، وتضمَّنتْ إثباتَ العلوِّ للهِ، وأفادتْ أنَّ الاستواءَ صفةُ فعلٍ، وأفادتْ أنَّ الاستواءَ خاصٌّ بالعرضِ، وأفادتْ أنَّ العرشَ مخلوقٌ، وقد ثبتَ أنَّ العرشَ مخلوقٌ عظيمٌ ذو قوائمَ وله حملةٌ، خلافًا للمبتدعةِ الَّذين ينفُون وجودَ العرشِ ويقولون عرشُه ملكُه، فعلى قولِ هؤلاء المبتدعةِ يكون قَولُهُ تعالى: (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) معناه ويحملُ ملكَ ربِّكَ، وهذا قولٌ باطلٌ مردودٌ، وأفادت أنَّ الاستواءَ على العرشِ بعدَ خلقِ السَّماواتِ والأرضِ، لأنَّه عَقَّبَهُ بِثُمَّ، وأفادتِ الرَّدَّ على الجهميَّةِ وأضرابهِم الَّذين يقولون: إنَّ معنى استوى استولى؛ لأنَّه تحريفٌ وزيادةٌ في كتابِ اللهِ وحملٌ له على غيرِ ما يحتملُ، فتواردُ الأدلَّةِ على هذا المعنى نصٌّ فيه، فلا يجوزُ تأويلهُ، قال ابنُ القيَّمِ:

نونُ اليهودِ ولامُ جهميٍّ هما في وحيِ ربِّ العرشِ زائدتان

قالَ الذهبيُّ: وأوَّلُ وقتٍ سمعتُ مقالةَ مَنْ أنكرَ أنَّ اللهَ فوقَ عرشِهِ هو من الجعدِ بنِ درهمٍ، وكذلك أنكرَ جميعَ الصِّفاتِ، وقتله خالدُ بنُ عبدِ الله القسريُّ وقصَّتُه مشهورةٌ، فأخذَ هذه المقالةَ عنه الجهمُ بنُ صفوانَ إمامُ الجهميَّةِ فأظهرَها واحتجَّ لها بالشُّبهاتِ، وكان ذلك في آخرِ عصْرِ التَّابعين، فأنكرَ مقالتَه أئمَّةُ ذلك العصرِ، مثلُ الأوزاعيِّ وأبي حنيفةَ ومالكٍ والليثِ بنِ سعدٍ والثَّوريِّ وحمَّادِ بنِ زيدٍ وحمَّادِ بنِ سلمةَ وابنِ المباركِ ومَن بعدَهم من أئمَّةِ الهُدى.

وأفادت الاستدلالَ بهذه المخلوقاتِ على وجودِ خالقِها وَمُدَبِّرِها وأنَّها آيةٌ واضحةٌ، ودلالةٌ صريحةٌ على وجودهِ سُبْحَانَهُ، وأنَّه المدبِّرُ والمسخِّرُ لهذه المخلوقاتِ، وهي مستلزمةٌ للعلمِ بصفاتِ كمالهِ، وتضمَّنَ ذلك أنَّه المعبودُ الحقُّ، وأنَّ عبادةَ غيرهِ باطلةٌ، إذ ما سواه عاجزٌ، والعاجزُ لا يصلحُ للأهليَّةِ، وأفادتِ التَّفريقَ بين الخلقِ والأمرِ، وفيه الرَّدُّ على الجهميَّةِ والمعتزلةِ القائلين بأنَّ كلامَ اللهِ مخلوقٌ، وأنَّ خلقَهُ وأمرَهُ واحدٌ، ويُروى عن سُفيانَ الثوريِّ رَضِي اللهُ عَنْهُ أنه قالَ: فرقَ اللهُ بينَ الخلقِ والأمرِ فمنْ جمعَ بينهما فهو كافرٌ. انتهى.

وفيها الرَّدُّ على مَن زعمَ من الفلاسفةِ: أنَّ العرشَ هو الخالقُ الصَّانعُ، وفيها الرَّدُّ على مَن زعمَ أنَّ العرشَ لم يزلْ معَ اللهِ وهو مذهبٌ باطلٌ، انتهى. من (فتحِ البارِي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت