الصفحة 18 من 41

ويعني بالغلاة في التمجيد العقل: الّذين رفعوه عن منزلته الحقيقة، وجعلوه حكمًا بإطلاق على النصوص الشرعية، بل جعلوه كافيًا في الهداية والإرشاد.

ويشير إلى ذلك ابن القيم بقوله: (كيف ينقدح في ذهن المؤمن أن في نصوص الوحي المنزلة من عند الله عز وجل ما يخالف العقول السليمة؟! بل كيف ينفك العقل الصريح عن ملازمة النص الصحيح؟! بل هما أخوان لا يفترقان، وصل الله بينهما في كتابه، وإذا تعارض النقل وهذه العقول أخذنا بالنقل الصحيح، ورُمي بهذه العقول تحت الأقدام، وحُطَّت حيث حطها الله وأصحابها، فكيف يُظن أن شريعة الله الكاملة ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها، أو إلى قياس أو معقول خارج عنها، ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعد محمد ) [1] .

وهذه اللوازم لا تكاد تنفك عن الدعاة إلى تقديم العقل على النقل، مهما حاولوا الفرار منها، وتبريرها بمبررات واهية. وهي بلا شك لوازم باطلة.

ولخطورة هذا التيار العقلي ألّف السلف في بيان ضرره وآثاره، والرد على أربابه المؤلفات الكثيرة، ومن أنفسهم وأجمعها كتاب درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، الذي يُعد أعظم كتاب عقلي كتب في الإسلام، حتى قال بعض العلماء: إنه لم يكتب في تاريخ الفكر العالمي كتاب أدق وأعمق من هذا الكتاب؛ لأنه ما بقي من أنواع الفسلفات والآراء والنظريات التي يمكن أن تصعب أو يدق فهمها ولا يستطيع كل عقل أن يخوض فيها [2] ؛ إلا وتعرض لها شَيْخ الإسلام في هذا الكتاب من خلال منهج شرعي وعقلي منظم، ويبقى هذا الكتاب حجة قائمة إلى قيام الساعة.

(1) الصواعق المرسلة (2/ 458 ـ 459) .

(2) انظر: طريق الهجرتين، وباب السعادتين، لابن قيم الجوزية، ص (265، 395) . تحقيق/عمر بن محمود أبو عمر، دار ابن القيم، الطبعة الأولى، 1409هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت