الصفحة 17 من 41

بل لقد ذهب الشافعي رحمه الله إلى أن ترك السنة والاعتراض عليها وعدم الأخذ بها نوع جنون، فقد قال رحمه الله: (متى عرفتُ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-حديثًا ولم آخذ به فأنا أشهدكم أن عقلي قد ذهب) [1] .

وهذا ما وقع فيه المبتدعة من أهل الكلام، وفي هذا شاهد على أن السّلف والأئمة كانوا ينهون عن مناهجهم، ويحذرون من مسالكهم الضالة، ومنها رد الأحاديث الصحيحة بحجة معارضتها للعقل.

وقال أبو المظفر السمعاني (ت489هـ) رحمه الله: (واعلم: أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعًا للمعقول، وأما أهل السنة، قالوا: الأصل في الدين الاتباع، والمعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لا ستغنى الخلق عن الوحي، وعن الأنبياء، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء، ولو كان الدين بني على المعقول لجاز للمؤمنين أن لا يقبلوا شيئًا حتى يعقلوا) [2] .

وهذا يدل على أن محور الخلاف بين السلف والمعتزلة ليس هو في ذات إعمال العقل، ودوره في فهم في النصوص الشرعية، وإنما في مسألة: أيهما المقدّم عند الاختلاف، وأيهما التابع.

ولهذا وصف ابن تيمية -رحمه الله- العقل بالصنم إذا غلا فيه المرء وطغى، فقال رحمه الله: (والداعون إلى تمجيد العقل، إنما هم في الحقيقة يدعون إلى تمجيد صنم سموه عقلًا، ولو كان العقل وحده كافيًا في الهداية والإرشاد لما أرسل الله الرسل) [3] .

(1) رواه البيهقي في المدخل إلى السنن (ص 205) ، وأبو نعيم في الحلية (9/ 106) ، وانظر: صفة الصفوة (2/ 256) ، والسير (10/34) .

(2) الحجة في بيان المحجة (1/320) ، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة (1/128) . لللالكائي، تحقيق/ أحمد سعد حمدان، دار طيبة للنشر، الرياض، الطبعة التاسعة 1426هـ.

(3) درء التعارض (1/140) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت