ومما يجدر التنبيه إليه هنا ونحن نتحدث عن نشأة التيار العقلي في الإسلام ومدى القبول المجتمع المسلم له، هو وجود الفرق الكبير بين المجتمع المسلم، وبين غيره من المجتمعات، بسبب وجود الوحي المعصوم والمتمثل في وجود الكتاب والسنة بين يدي المسلمين، فالمجتمعات الأخرى قد لا توجد لديها مشكلة الوحي، ومن ثم لم يوجد صراع بين العقل والنقل، وإنما كان العقل هو سيد الساحة وحده في الغالب.
أما في المجتمع المسلم، فإنه هذا التيار العقلي ظهر ويظهر في جو يهيمن عليه الإيمان بالوحي الذي لا يقبل التشكيك، مما جعل من الصعب اختراق هذا الإيمان في محاولة عقلنة الفكر الإسلامي [1] .
المبحث الثاني
موقف السلف من أصحاب الاتجاه العقلي
لما تسلل التيار العقلي على يد المعتزلة إلى المجتمع المسلم تنبه السلف الصالح والأئمة لخطورته، وانحرافه عن هدي الكتاب والسنة فتصدّوا له، وقاوموه أشدّ مقاومة، وحذروا الناس من شره وفساده، لأنه ينتهي بأصحابه إلى إبطال الشريعة، ونسف العقيدة الإسلامية الصحيحة. وكانوا ينهون عن مجالسة المبتدعة أو سماع كلامهم أو عرض شبهاتهم، ومن الآثار الواردة عنهم في ذلك:
قال أبو الزناد رحمه الله: (وما برح من أدركنا من أهل الفضل والفقه من خيار أوَّليَّة الناس يعيبون أهل الجدل والتنقيب، ويعيبون الأخذ بالعقل أشد العيب، وينهون عن لقائهم ومجالستهم، ويخبرون أنهم أهل ضلال وتحريف) .
وقال الأصبهاني (ت535هـ) رحمه الله: (إذا رأيت الرجل إذا قيل له: لم لا تكتب الحديث؟ يقول: العقل أولى، فاعلم أنه صاحب بدعة) .
(1) انظر: السلفية وقضايا العصر: للدكتور عبد الرحمن الزنيدي، ص (175) .دار إشبيليا، الرياض، الطبعة الأولى، 1418هـ.