ويقرر شيخ المعتزلة في عصره القاضي عبد الجبار المعتزلي (ت415هـ) منهجهم تجاه العقل والنقل، فيعتبر العقل هو الأصل، والنقل هو الفرع التابع له، ولا يمكن -حسب زعمه- أن يستدل بالأدلة النقلية في معظم مسائل الاعتقاد، ويعلل ذلك بقوله: (ولو استدللنا بشيء منها على الله لكنا مستدلين بفرع الشيء على أصله، وذلك لا يجوز) [1] .
ويقول: (إذا ورد في القرآن آيات تقتضي بظاهرها التشبيه، وجب تأويلها لأن الألفاظ معرضة للاحتمال ودليل العقل بعيد عن الاحتمال) [2] .
ويقول وهو يتحدث عن الأحاديث النبوية الشريفة وأقسامها من حيث القبول والرد: (وأما ما لا يعلم كونه صدقًا ولا كذبًا، فهو كأخبار الآحاد، وما هذا سبيله يجوز العمل به إذا ورد بشرائطه، فأما ما قبوله فيما طريقه الاعتقادات فلا، إلا إذا كان موافقًا لحجج العقول، واعتقد بموجبه لا لمكانه، بل للحجة العقلية، فإن لم يكن موافقًا لها، فإن الواجب أن يرد، وأن يحكم أن النبي لم يقله، وإن قاله فإنما قاله على طريق الحكاية عن غيره، هذا إذا لم يحتمل التأويل إلا بتعسف، فأما إذا احتمله فالواجب أن يتأول) [3] .
وبناء على هذا المنهج رد المعتزلة كثرًا من أحاديث الآحاد الصحيحة، بل المتواترة أحيانًا إذا خالفت منهج العقلي، ولهذا من يطالع كتب المعتزلة يرى أنهم لا يستدلون بالكتاب والسنة إلا فيما يؤيد ما قرروه من أدلتهم العقلية [4] .
(1) شرح الأصول الخمسة، للقاضي عبد الجبار، ص (88) .تحقيق:د.عبدالكريم عثمان، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الأولى: 1384هـ/1965م.
(2) المحيط بالتكليف ص (200) .
(3) شرح الأصول الخمسة، للقاضي عبد الجبار (768-769) . مكتبة وهبة، 1965م، القاهرة.
(4) انظر على سبيل المثال: شرح الأصول الخمسة، ص (194-195،211-213، 226-231، 269،672،690) .