قال الشاطبي (ت790هـ) رحمه الله: (ردهم للأحاديث التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، ويدّعون أنها مخالفة للمعقول، وغير جارية على مقتضى الدليل، فيجب ردها، كالمنكرين لعذاب القبر، والصراط، والميزان، ورؤية الله عز وجل في الآخرة، وكذلك حديث الذباب وقتله، وأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، وأنه يقدم الذي فيه الداء، وحديث الذي أخذ أخاه بطنه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بسقيه العسل، وما أشبه ذلك من الأحاديث الصحيحة المنقولة نقل العدول. وربما قدحوا في الرواة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم -وحاشاهم- وفيمن اتفق الأئمة على عدالتهم وإمامتهم. وقد جعلوا القول بإثبات الصراط والميزان والحوض قولًا بما لا يعقل، وذهبت طائفة منهم إلى نفي أخبار الآحاد جملة، والاقتصار على ما استحسنته عقولهم في القرآن) [1] .
ومن أمثلة ذلك: ما رواه الخطيب بسنده عن عمرو بن عبيد وهو من روّاد المعتزلة أنه ذكر حديث الصادق المصدوق [2] ، فقال: (لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعت زيد بن وهب يقول هذا ما أجبته، ولو سمعت عبد الله بن مسعود يقول هذا ما قبلته، ولو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله تعالى: يقول هذا، لقلت له:(ليس على هذا أخذت ميثاقنا) [3] .
(1) انظر: الاعتصام (1/231-232) .
(2) وهو حديث ابن مسعود رضي الله عنه، قال حدثنا رسول الله _صلى الله عليه وسلم- وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة..) الحديث، رواه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (2/424/ ح:3208) ، ومسلم في صحيحه، في كتاب القدر (4/2036/ح:26439) .
(3) انظر: تاريخ بغداد للبغدادي، (12/172) ، دار الكتب العلمية، بيروت. وميزان الاعتدال للذهبي (3/278) .