الصفحة 29 من 67

النوع الثاني: تقليد من لا يعلم المُقَلِّد أنه أهل لأن يؤخذ بقوله، وهذا ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رجلًا أصابه جرح في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يعني: فاحتلم ـ فَأُمِرَ بالاغتسال، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:(قتلوه قتلهم الله، إن شفاء العي السؤال) ، قال عطاء: فبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال: (لو غسل جسده، وترك رأسه حيث أصابه ـ يعني: الجرح) [1] فالذي أفتاه بالغُسل جرّ على السائل الذي ليس عنده علم أن كان سببًا في وفاته، فنال الدعاء عليه من

النبي صلى الله عليه وسلم بسبب الفتوى بغير علم.

النوع الثالث: التَّقْليد بعد قيام الحُجَّة وظهور الدَّليل على خلاف قول المُقَلَّد، وهذا قَلَّد بعد ظُهور الحُجَّة له؛ فهو أولى بالذَّم ومعصية الله ورسوله، وهذا من أشد الأنواع ذمًا كونه علم الحق بدليله فتركه وعمل بما أفتاه به المقلَّد.

وهذه الأنواع الثلاثة قد ذمها الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه، قال تعالى: [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ] [2] وقال تعالى: [وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِك فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ] [3] ، وهذا كثير فيمن يذم من أعرض عما أنزله الله تعالى وقنع بتقليد الآباء.

(1) رواه ابن ماجة، وحسنه الألباني في سنن ابن ماجة (1/189) رقم (572) .

(2) سورة البقرة: الآية 170.

(3) سورة الزخرف: الآيتان 23، 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت