ولله درُّ ابن القيم رحمه الله حين يقول: (ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ، والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق؛ فيكون عالما بما يبلغ صادقا فيه، ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضي السِّيرة، عدلا في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله؛ وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السَّنِيَّات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسمواتِ؟ فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به؛ فإن الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب فقال تعالى: [وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ] [1] ، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفا وجلالة؛ إذ يقول في كتابه: [يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ] [2] ، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسؤول غدا وموقوف بين يدي الله) [3] .
فما بال أقوام من أمة الإسلام سيقفون هذا الموقف العظيم يتساهلون في الإفتاء والقول على الله بغير علم، حتى ظهر علينا أصناف وأشكال لم نعهدها إلا منذ زمن قريب ضعفت خشيتهم من الله، وحرصوا على المتاع الفاني القليل فراحوا عبر الفضائيات الموجهة ضد الإسلام والمسلمين يفتون بفتاوى لا خطام لها ولا زمام وهنا لابد من وضع حد لمن قام يفتي بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ووجب على من ولاه الله أمر المسلمين أن يقف في وجوه هؤلاء حتى لا يتسببوا في فتنة الناس وإضلالهم، وإبعادهم عن صراط الله المستقيم.
(1) سورة النساء: الآية 127.
(2) سورة النساء: الآية 176.
(3) إعلام الموقعين (1/11) .