فإن قيل: إنما فيه ذم من قلَّد من أضله السبيل، أما من هداه السبيل فأين ذم الله تقليده؟ قيل: جواب هذا السؤال في نفس السؤال، فإذًا لا يكون العبد مهتديًا حتى يتَّبع ما أنزل الله على رسوله؛ فهذا المقلِّد إن كان يعرف ما أنَّزل الله على رسوله فهو مهتدٍ وليس بِمُقَلِّد، وإن كان لم يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو جاهل ضال بإقراره على نفسه، فمن أين يعرف أنه على هُدى في تقليده؟ وهذا جواب كل سؤال يوردونه في هذا الباب وأنهم [إن كانوا] إنما يقلدون أهل الهدى فهم في تقليدهم على هدى.
فإن قيل: فأنتم تُقِرُّون أن الأَئِمَّة المقلدين في الدين على هدى، فمقلدوهم على هدى قطعًا؛ لأنهم سالكون خلفهم.
قيل: سلوكهم خلفهم مبطل لتقليدهم لهم قطعًا؛ فإن طريقتهم كانت اتباع الحجَّة والنهي عن تقليدهم، فمن ترك الحجَّة وارتكب ما نهوا عنه ونهى الله ورسوله عنه قبلهم فليس على طريقتهم وهو من المخالفين لهم، وإنما يكون على طريقتهم من اتَّبع الحجَّة، وانقَاد للدليل، ولم يتخذ رجلا بعينه سوى الرسول صلى الله عليه وسلم يجعله مختارًا على الكتاب والسُّنَّة يعرضهما على قوله. وبهذا يظهر بطلان فهم من جعل التقليد إتباعًا، وإيهامه وتلبيسه، بل هو مخالف للإتباع. وقد فَرَّق الله ورسوله وأهل العلم بينهما كما فَرَّقت الحقائق بينهما، فإن الاتِّباع سلوك طريق المُتَّبع والإتيان بمثل ما أتى به) [1] .
الفرق بين الاتِّباع والتَّقليد:
هناك فرق بين الإتباع والتقليد كبير لمن كان له بصيرة بالعلم وأهله من حيث أن المتبع يسلك الطريق بالحجة الدامغة والعلم الصحيح الواضح من غير تذبذب ولا شك، أما المقلد فإنه يتبع كل ناعق دون أن يكون عنده علم يهديه ويبصره بصحة تقليده، وضرر التقليد عظيم على من سلك طريقه دون أن يعرف من يأخذ منه، أو الوقوف على ما يأخذه من المقلَّد.
(1) إعلام الموقعين (2/292) .