قال ابن القيم رحمه الله:(قال أبو عمر في الجامع: باب فساد التقليد ونفيه، والفرق بينه وبين الاتِّبَاع، قول أبو عمر: قد ذَمَّ الله تبارك وتعالى التَّقليد في غير موضع من كتابه فقال: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ] روي عن حذيفة وغيره قال: لم يعبدوهم من دون الله، ولكنهم أحلُّوا لهم وحرَّموا عليهم فاتَّبَعوهم.
وقال عدي بن حاتم: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب، فقال: (يا عدي ألق هذا الوثن من عنقك) ، وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ] قال: فقلت: يا رسول الله إنا لم نتخذهم أربابا، قال: (بلى، أليس يُحِلُّون لكم ما حُرِّم عليكم فَتحلُّونه ويُحَرِّمُون عليكم ما أُحِلَّ لكم فتحرمونه؟) فقلت: بلى، قال: (فتلك عبادتهم) .
قال: فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها، وهي الكتاب والسنَّة وما كان في معناهما بدليل جامع، ثم ساق من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنِّي لا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي إلا مِنْ أَعْمَالِ ثَلَاثَةٍ) ، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: (أَخَافُ عَلَيْهِمْ زَلَّةَ الْعَالِمِ، وَمِنْ حُكْمٍ جَائِرٍ، وَمِنْ هَوًى مُتَّبَعٍ) وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تَرَكْت فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا:كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم) [1] .
المطلب الثالث: الفتوى بالدليل والاجتهاد
(1) إعلام الموقعين (2/292) .