الصفحة 37 من 67

فكفى بهذه الآية زاجرًا زجرًا بليغًا عن التجوز فيما يسأل من الأحكام، وكفى بها باعثة على وجوب الاحتياط في الأحكام، وأن لا يقول أحدٌ في شي هذا جائز وهذا غير جائز إلا بعد إتقان وإيقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت، وإلا فهو مفتر على الله عز وجل، وهذا يوجب الخوف من الدخول في الفتيا في كل ما يسأل عنه الناس، وأيضًا قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) [1] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) [2] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه) [3] .

فهذه الآيات والأحاديث تدل دلالة واضحة على خطورة القول على الله بغير علم لما فيها من الضرر العظيم على المفتي والمستفتي، وقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتدافعون الفتوى، حتى أن كل واحد منهم يود لو أن أخاه كفاه إياها، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما منهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتوى) .

وعن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي يقول: (ما رأيت أحدًا جمع الله فيه من آلة الفتيا ما جمع في ابن عيينة أَسْكت عن الفتيا منه) .

(1) رواه البخاري ـ كتاب العلم ـ باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم (104) ، ومسلم ـ كتاب المقدمة ـ باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم (2673)

(2) رواه البخاري ـ كتاب العلم ـ باب كيف يقبض العلم (100) ، ومسلم ـ كتاب العلم ـ باب رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان (2673) ، واللفظ للبخاري.

(3) رواه أبو داود، والحاكم في المستدرك، وحسنه الألباني في صحيح الجامع رقم 6068.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت