أولًا: يعرض للمفتي أحيانًا انحرافات تنشأ عن ضعف مراقبته لله، وغيبة أمر الآخرة عنه، وعظمة الدنيا وأهلها في عينه، فالطريق المستقيم أن يكون الناس أمامه سواسية، وأن يبين لهم حكم الله تعالى بما يعلم أنه الحق، ولقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك بقوله: [فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ] [1] ، وقوله تعالى لداود عليه السلام: [يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ..] [2] ، وأمر الله عباده المؤمنين بذلك في قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا] [3] ، فأخبر تعالى أن محبة النفع للقريب ونحوه قد تحمل القائل على أن يحرِّف الحكم عن وجهه الصحيح، وقد يحمل على الإعراض عن الحق بالكلية بأن يحكم بحكم مخالف للحكم الصحيح.
وثانيًا: أن لا يكون الناس عنده سواسية في ما يخبرهم به، فإن كان المستفتي رجلًا من عامة الناس لم يبال أنى يعطيه الحكم مهما كان شديدًا دون تروٍ أو تمحيص لحاله، فإن جاءه قريبه أو صديقه أو ذو هيئة أو منصب اهتم للتفهم منه، وابتغى له الرخصة والمخرج.
(1) سورة المائدة: الآية 42.
(2) سورة ص: الآية 26.
(3) سورة النساء: الآية 135.