الصفحة 40 من 67

وثالثًا: أن يُعلِّم الناس الحيل التي يتخلصون بها ظاهرًا من الحقوق التي تلزمهم لله أو لعباده، كمن يفتي من ستجب عليه الزكاة لقرب انتهاء الحول، بأن يهب ماله لزوجه أو صديقه، ثم يستعيده منه، ليسقط حق الزكاة، وكمن يفتي الرجل بفساد عقد زواجه ليكون طلاقه الثلاث لاغيًا، فيستبيح الرجوع إلى مطلقته، أو يعلم المرأة أن ترتد لينفسخ عقد نكاحها، وبعض العلماء يسمي المفتي الذي يفتي على هذه الطريقة ـ المفتي الماجن ـ لأنه يتلاعب بأحكام الله تعالى ويستهزىء بها، فعمله كأنه سخرية وهزأ بالمقاصد التي وضعت لها الأحكام.

ورابعًا: ومن ذلك مجاراة الظروف الواقعة وقبولها والإفتاء بصحتها وشرعيتها، مع مخالفتها للحكم الشرعي، وذلك أن للواقع الجاري سلطانًا على النفوس بتصور صعوبة تغييره.

وخامسًا: أن يشدد في ما سهل فيه الشرع، أو فيما له مخرج شرعي صحيح، فيترك الوجه المشروع ويخبر بفتيا أشد مما يجب إظهارًا للتمسك بالدين، وشدة التقوى، وغلبة الورع، والامتثال لظواهر الأحكام وحرفيات الدين، وغمزًا للآخرين بأنهم متساهلون ومنحرفون، وقد نقل عن سفيان الثوري أنه قال: (إنما العلم عندنا الرخصة عن ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد) [1] .

فكل هذه الأسباب وغيرها لها تأثيرها على المفتي وغيره ممن يتصدرون لتعليم الناس وإفتائهم في أمور الدين، وهذه من أخطر الأشياء عليه حيث تخرجه من النفع إلى الضرر، ومن صرف الناس عن الأوزار إلى إعانتهم على كسبها وتحملها معه يوم القيامة، وصدق الله تعالى إذ يقول: [لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ] [2] .

المبحث الرابع

الحجر في الفتوى

وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: تعريف الحجر في الفتوى.

المطلب الثاني: أصناف المحجور عليهم.

(1) نقله ابن حمدان ص32.

(2) سورة النحل: الآية 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت