الصفحة 6 من 67

قال ابن القيم رحمه الله: (ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ، والصدق فيه،لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم وَالصدق؛ فيكون عالما بما يبلغ صادقا فيه، ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضي السيرة، عدلا في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات؟ فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به؛ فإن الله ناصره وهاديه، وَكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب فقال تعالى: [وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ] وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفا وجلالة؛ إذ يقول في كتابه: [يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ] ، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه،وليوقن أنه مسؤول غدا وموقوف بين يدي الله) [1] . قال صلى الله عليه وسلم: (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار) [2] .

ولذلك لما علم السلف ـ رضوان الله عليهم ـ مكانتها كانوا من عظم المسؤولية وخطورة الفتوى يتدافعونها ويحجمون عنها، ويشددون النكير على من استشرف لها، وسارع فيها، وحرص عليها.

(1) إعلام الموقعين لابن القيم (1/11) .

(2) رواه الدارمي (1/57) من حديث عبيد الله بن أبي جعفر مرسلًا، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع رقم (147) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت