وقد نقل عن بعض أهل العلم توجيهاتهم ونصائحهم في هذا الموضوع الخطير، ومن ذلك: قول عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله: (لقد أدركتُ في هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار، وما منهم أحدٌ يُحَدِّثُ بحديثٍ إلا وَدَّ أن أخاه كفاهُ الحديثَ، ولا يُسألُ عن فُتْيَا إلا وَدَّ أن أخَاهُ كَفَاهُ الفُتْيَا) [1] .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون) [2] .
وعن مالك رحمه الله أنه ربما سئل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها، وكان يقول: (من أجاب في مسألة فينبغي من قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة ثم يجيب فيها) [3] .
وعن سحنون(أن رجلًا أتاه فسأله فأقام يتردد إليه ثلاثة أيام، فقال:
مسألتي أصلحك الله لها ثلاثة أيام فقال: وما أصنع لك يا خليلي مسألتك معضلة، وفيها أقاويل وأنا متحيّر في ذلك، فقال له: وأنت أصلحك الله لكل معضلة، فقال سحنون:هيهات يا ابن أخي ليس بقولك هذا أبذل لك لحمي ودمي إلى النار، ما أكثر ما لا أعرف) [4] .
وبذلك يتضح أن الفتوى هي بيان أحكام الله تعالى، وتطبيقها على أفعال الناس، فهي قول على الله تعالى، لأنه يقول للمستفتي: حق عليك أن تفعل، أو حرام عليك أن تفعل، ولذا شبه القرافي المفتي بالترجمان عن مراد الله تعالى، وجعله ابن القيم بمنزلة الوزير الموقّع عن الملك. وقال ابن المنكدر: العالم بين الله وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم [5] .
(1) رواه الدارمي (1/53) ، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/163) .
(2) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/164) .
(3) أدب المفتي (1/20) .
(4) أدب المفتي (1/15) .
(5) مقدمة المجموع (1/73) تكملة المطيعي وتحقيقه.