الصفحة 34 من 40

وثانيها: الجدل وهو ما تركّب من قضايا مشهورة، نحو العدل حسن، والظلم قبيح، أو مسلّمةٍ بين الخصمين سواء كانت صادقة أم كاذبة، ليبنى عليها الكلام في دفع كلّ من الخصمين صاحبه، والمقصود منه قهر الخصم، وإقناع من لا قدرة له على فهم البرهان.

ثالثها: الخطابة وهو ما تركّب من مقدّمات مقبولة أو مظنونة، فالأولى كالصادرة من شخص تعتقد صلاحه، والثانية هي التي يحكم بها العقل بواسطة الظنّ مع تجويز النقيض، نحو: هذا لا يخالط الناس، وكلّ من لا يخالط الناس متكبر، فهذا متكبّر. والغرض من الخطابة ترغيب السامع فيما ينفعه دنيا وأخرى.

رابعها: الشعر، وهو ما تألّف من قضايا تنبسط منها النفس أو تنقبض، نحو: الخمر ياقوتة سيّالة، والعسل مُرّة مهوّعة أو مقيّئة. والغرض منه انفعال النّفس لترغيبها في شيء أو تنفيرها عنه.

خامسها: السفسطة، وهي ما تألف من مقدّمات باطلة، شبيهة بالحقّ، كقولنا في صورة فرس في حائط: هذا فرس، وكلّ فرس صهّال، فهذا صهّال. والغرض منها الإيقاع في الشكوك والشّبه الكاذبة، ويقال لها مغالطة، ومشاغبة. واستعمالها حرام بجميع أنواعها، ومن أقبح تلك الأنواع المغالطة الخارجيّة، وهي أن يَشْغَلَ المناظِرُ الذي لا فهمَ له ولا انقيادَ للحقّ فهمَ خصمه بما يشوّش عليه ككلام قبيح ليظهر للناس أنه غلبه ويستر بذلك جهله، وهو كثير في زماننا، بل هو الواقع، فهذا النوع من القياس ينبغي معرفته ليتّقى لا ليستعمل إلا لضرورة له، كدفع كافر معاند، كالسمّ لا يستعمل إلا في الأمراض الخبيثة، ولم يرتّب المصنّف بين أقسام الحجّة العقليّة، بل ذكرها على ما سمح به النّظم، وترتيبها على ما ذكرته.

ثم قال:

(أجلها البرهان ما ألف من * مقدمات باليقين تقترن

من أوليات مشاهدات * مجربات متواترات

وحدسيات ومحسوسات * فتلك جملة اليقينيات)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت