الصفحة 35 من 40

أقول: أعظم هذه الخمسة البرهان، وهو ما تألف من مقدّمات يقينيّة بأن يكون اعتقادها جازمًا مطابقًا ثابتًا لا يتغيّر. واليقينيّات على مذكر المصنّف ستّة:

الأولى الأوليّات: أي البديهيّات، جمع اوّليّ، وهو ما حكم فيه العقل من غير واسطة تتوقّف على تأمّل كالسماء فوقنا، والأرض تحتنا.

الثاني المشاهدات: وتسمّى الوجدانيّات، وهي ما تدرك بالحواس الباطنة من غير توقّف على عقل، كجوع الإنسان وعطشه ولذّاته وألمه.

والثالث المجرّبات: وهي ما حكم به العقل والحسّ مع التكرّر، كقولنا: السقمونيا مسهّلة، والخمر مسكر.

الرابع المتواترات: وهي ما حكم بها العقل مع حاسّة السمع، كعلمنا بغزّة والشافعيّ، بسبب كثرة المخبرين بذلك الذي يؤمن تواطؤهم على الكذب.

الخامس الحدسيّات: وهي ما حكم بها العقل والحسّ من غير توقّف على تكرّر، كالعلم بأن نور القمر مستفاد من نور الشمس، أي الظنّ بذلك ظنًّا قويًا.

السادس المحسوسات: وهي ما يدرك بإحدى الحواس الخمس الظاهرة التي هي السمع والبصر والشمّ والذوق واللمس، وكلّها في الرأس خاصّة به إلا اللمس، فإنه يتعدّى إلى بقيّة البدن. وبعضهم أدخل المحسوسات في المشاهدات بجعلها شاملة لما يدرك بالحواس الظاهرة، فعدّ اليقينيّات خمسة.

ووجه حصر اليقينيّات في الستّة أن المعنى إما أن يستقلّ العقل به فهو الأوليّات، أو لا يحتاج إليه فهو الوجدانيّات والمحسوسات، أو يحتاج له ولغيره فهو التجربيّات والمتواترات والحدسيّات.

والعلم الحاصل من الثلاثة المتأخرة لا يقوم حجّة على الغير بسبب أنه قد لا تكون له تجربة، ولا تواتر، ولا حدس، لعدم مشاركته في ذلك المستدلَّ، قاله بعضهم.

ثمّ قال:

(وفي دلالة المقدمات * على النتيجة خلاف آت

عقليٌّ أو عاديٌّ أو تولُّدُ * أَوْ واجبٌ وَالأوَّلُ المُؤَيدُ)

أقول: في إفادة النظر الصحيح للنتيجة أربعة مذاهب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت