قدر موضع السوط: خط طويل في الأرض، لا عرض له. فلو جمع بالحساب لكان مجموع مساحته مربع صغير لا يتجاوز سنتيمترات. فهذه كيفية الدنيا في الآخرة، تختزل جميع ما فيها من جنات، وأنهار، وزخرف، ومباهج، ورفاهية، وترف. في مساحة صغيرة جدا، لا تكاد ترى بالنظر إلى جنة عرضها السموات والأرض. قال تعالى:
- {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين} .
وبهذا يمكن أن يفسر الأثر كما يلي:
ما جنات، وزخرف، ومباهج، ونعيم الدنيا في مقابل نعيم الآخرة، إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع ؟.
فما يعلق في الإصبع شيء يسير من هذه النعمة، الذي هو الماء، مقابل مياه البحر الذي لا حد لها.
والغدوة تكون أول النهار، والروحة آخرها، فزمن كقدر هذا الزمن في سبيل الله، خير من الدنيا بما فيها، لو فرضت الدنيا كلها خالية من أي عمل صالح، سوى هذا العمل: الغدوة أو الروحة في سبيل الله تعالى. ذلك لأن الدنيا لا قيمة لها من دون عمل صالح، قال صلى الله عليه وسلم:
- (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالم ومتعلم) [الترمذي/الزهد/14]
والعمل الصالح هو من الآخرة؛ لأن ثوابه وجزاءه في الآخرة، فحصلت المقارنة بينهما، فمعنى الأثر:
ما أعمال الدنيا، إذا خلصت كلها للدنيا، في مقابل عمل واحد صالح من أعمال الآخرة، إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر: بم يرجع ؟.
فكافة الأعمال الدنيوية، هي في المثال كما يعلق في الإصبع من البحر، وآحاد العمل الصالح كالبحر.
-قال الله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءا منثورا} .
-وقال صلى الله عليه وسلم: (من تصدق بعدْل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، وإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فَلُوَّه، حتى تكون مثل الجبل) . [البخاري/الزكاة/باب لا يقبل إلا من كسب طيب]