هذه الأحوال منتفية عن الآخرة، فهي دار رضوان الله تعالى، وفيها يتجلى بملكه، وعظمته، وحكمته، على التمام والكمال، وقد كان الناس لا يعرفون منها إلا القليل، قال تعالى:
- {يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء، لمن الملك اليوم ؟، لله الواحد القهار} .
- {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} .
- {وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمدلله رب العالمين} ، يقولها المؤمنون والكافرون.
في الدنيا أعطى الله عباده تصرفا وملكا واختيار، وطاعة ومعصية، ففيها ما يحب وما لا يحب، وكلها تحت مشيئته، أما في الآخرة فكلها لله تعالى ظاهرا وباطنا، فيها مشيئته ومحبته خالصة.
وعليه فيمكن ترجمة الأثر بما يلي:
ما منزلة الدنيا مقابل منزلة الآخرة، إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع ؟.
(نتائج المقابلة)
فما يعلق بالأصبع من ماء البحر شيء لا يذكر، فلا قدر له ولا قيمة، مقابل قدر وقيمة البحر.
-القدر الذي يعلق بالإصبع من اليم: لا شي.
-جناح البعوضة: لا شيء.
-الجدي الأسك الميت: لا شيء.
كل هذه هي الدنيا.
أجزاء الشيء ثلاثة: حقيقته ماهيته، وكيفيته، وكميته.
والدنيا حقيقة، وكيفية، وكمية جميعها ومجموعها، مقابل الآخرة لا شيء يذكر، كالماء على الإصبع.
فالدنيا لا تقابل الآخرة في شيء، إلا في شيء واحد، تكرم الله به على عباده، على جهة الفضل والإنعام، لا الاستحقاق؛ إذ جعل الدنيا مقابل الآخرة، مقابلة الثمن للسلعة، أي جعل الجنة من الآخرة سلعة، والدنيا ثمنًا. إذا بذلت لله وحده، بالعمل الصالح، كانت ثمنا للجنة:
- {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة..} .
- {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة..} .
-قال صلى الله عليه وسلم: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله هي الجنة) [الترمذي/صفة القيامة/باب من خاف أدلج] .