الصفحة 44 من 59

وقيل أيضًا من ناحيتهم: وإذا اعترض على هذا بأن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فأشهد عليه غيري) قاله تهديدًا فالجواب: أن الأصل في كلام الشارع غير هذا وصيغة (افعل كذا) إذا أطلقت في كلام الشارع فإنها تحتمل الوجوب أو الندب، وإذا تعذر حملها على الوجوب أو الندب حملت على الإباحة.

وانتصر الإمام النووي عالم الحديث وأحد كبار فقهاء الشافعية المشتهرين لمذهب الشافعي ومن معه وهو القول بالكراهة التنزيهية فقط، ورد على ما استدل به للرأي القائل بالتحريم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا أشهد على جور) قال النووي: ليس فيه أنه حرام، وعلل هذا بقوله:"لأن الجور هو الميل عن الاستواء والاعتدال، وكل ما خرج عن الاعتدال فهو جور سواء كان حرامًا أو مكروهًا"ثم قال النووي:"وقد وضح بما قدمناه أن قوله صلى الله عليه وسلم: (أشهد على هذا غيري) يدل على أنه ليس بحرام، فيجب تأويل الجور على أنه مكروه كراهة تنزيه"وبين النووي أن الحديث يفيد أن هبة بعض الأولاد دون بعض صحيحة، وأنه إن لم يهب الباقين مثل هذا فإن من المستحب رد الأول، وذكر أن فقهاء الشافعية قالوا باستحباب أن يهب الوالد بقية أولاده مثل ما وهبه للأول، فإن لم يفعل ذلك فيستحب له أن يرد الأول ولا يجب عليه ذلك [1] .

ونقول بعد ما ذكرناه إنه من المستحب التسوية بين الأولاد في الهبة وإذا غلب على ظن أحد الوالدين أن ما يهبه لأحد أولاده مؤد إلى حدوث النفرة بينهم ووقوع الخلاف والعداوة فإنني أرى أن ذلك يكون حرامًا، لأنه سيؤدي في هذه الحال إلى الحرام، وبهذا نتحاشى الخطر قبل أن يحدث وهو العنف بين الأولاد، نتيجة زرع الحقد والعداوة بينهم.

(1) ... صحيح مسلم بشرح النووي ج11 صفحة 65-67 ولزيادة التفصيل في الموضوع يرجع إلى نيل الأوطار، للشوكاني الجزء السادس صفحة 109.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت