الصفحة 52 من 59

ويحتج لمن يرى أن للحكمين سلطة التطليق دون توكيل من الزوجين، بأن الله عز وجل قال: (فإبعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها) وهذا - من وجهة نظر القائل بهذا الرأي - نص من الله سبحانه وتعالى بأنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان، ومن المعلوم أن للوكيل اسم ومعنى في الشريعة، وللحَكم اسم ومعنى في الشريعة، فإذا بيَّن الله كل واحد منهما فلا يصح أن يُركَّب معنى أحدهما على الآخر، وقوي هذا بأثر ورد عن علي بن أبي طالب رواه الدارقطني من حديث محمد ابن سيرين عن عَبيدة في هذه الآية: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها) قال: جاء رجل وامرأة إلى عليِّ مع كل واحد منهما فئام [1] من الناس، فأمرهم فبعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، وقال للحكمين: هل تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليَّ فيه ولي، وقال الزوج: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت، والله لا تبرح حتى تقر بمثل الذي أقرت به،"ووجه الدلالة من هذا الأثر أنه لو كان الحكمان وكيلين أو شاهدين لم يقل لهما (أتدريان ما عليكما) إنما كان يقول: (أتدريان بما وكِّلْتما) ."

ذكر هذا القرطبي ثم ذكر ما احتج به أبو حنيفة وأنه احتج بقول عَليِّ رضي الله عنه للزوج (لا تبرح حتى ترضى بما رضيت به) فدل على أن مذهبه أنهما لا يفرقان إلا برضا الزوج، وبأن الأصل المجتمع عليه أن الطلاق بيد الزوج، أو بيد من جعل ذلك إليه، وبين القرطبي أن مالكًا ومن وافقه على رأيه جعلوا هذا من باب طلاق الحاكم على العنين والمولين من نسائهم [2] .

وكذا من حجة أبي حنيفة والشافعي أن الأصل أن الطلاق ليس بيد أحد سوى الزوج أو من يوكله الزوج [3] .

(1) ... فئام من الناس أي جماعة من الناس.

(2) ... الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي ج3 صفحة 163، بداية المجتهد لابن رشد الحفيد ج2 صفحة 117.

(3) ... بداية المجتهد لابن رشد الحفيد ج2 صفحة 117.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت