فهرس الكتاب
وقد سبق أن ناقشت أدلة آراء العلماء في التورق الفقهي، لكن هذا التورق يختلف كل الاختلاف عن التورق الفقهي الفردي، فلا يأخذ حكمه بحال من الأحوال. وأما الفوائد والمنافع التي ذكرها أصحاب القول الثاني؛ فيجاب عنها: بأن الربا الذي حرَّمه الإسلام لا يخلو من فوائد ومنافع، ولكن نتيجة الموازنة الشرعية بين المنافع والمضار هي المعتبرة في تقرير الحكم. فإذا أجرينا تلك الموازنة بين المنافع والمضار في التورق المصرفي المنظم كانت النتيجة أن المضار أعظم من المنافع التي تترتب عليه، وأما المنافع فهي أقل بكثير من الأضرار، منها ما ذكرت من سلبيات.
... وبناء على ذلك فالراجح هو القول الأول من أن التورق المصرفي المنظم لا يجوز شرعًا، ويمكن الاستئناس لذلك بأقوال التابعين رضي الله عنهم في صور شبية، فقد روي عن سعيد بن المسيب أنه منع صورة شبيهة لهذا التورق، حيث جاء في مصنف عبد الرزاق، قال:حدثنا سعد بن السائب بن يسار قال: أخبرني عبد الملك داود بن أبي عاصم أن أخته قالت له: إني أريد أن تشتري متاعا عينة، فاطلبه لي، قال: قلت: فإن عندي طعاما ، فبعتها طعاما بذهب إلى أجل، واستوفته، فقالت: انظر لي من يبتاعه مني، قلت: أنا أبيعه لك، قال: فبعته لها، فوقع في نفسي من ذلك شيء، فسألت سعيد بن المسيب، فقال: انظر أن لا تكون أنت صاحبه، قال: قلت: فإني صاحبه، قال: فذلك الربا محضا، فخذ رأس مالك، وأردد إليها الفضل. [1] وكذلك رُوي عن الحسن البصري أنه منع صورة شبيهة، حيث روى عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن التيمي عن أبي كعب قال: قلت للحسن: إني أبيع الحرير، فتبتاع مني المرأة والأعرابي، يقولون: بعه لنا فأنت أعلم بالسوق، فقال الحسن: لا تبعه، ولا تشتره، ولا ترشده ، إلا أن ترشده إلى السوق. [2]
المبحث الرابع
التورق العكسي (المرابحة العكسية)
(1) ... مصنف عبد الرزاق ج 8 / 295، رقم: (15273)
(2) المرجع السابق، رقم: (15274)