الصفحة 37 من 46

ولعله من المناسب أن أشير هنا إلى أمرين مهمين يكملان جهود الفقهاء في معالجة قضايا البيئة وهما:

الأمر الأول: أن هناك جهودًا كبيرة قام بها عدد من الأطباء والعلماء المسلمين لإيضاح كثير من المشكلات البيئية خاصة من حيث التلوث البيئي وأسبابه ونتائجه ، والأوبئة وما تحتاجه من معالجات وقائية وعلاجية، ونذكر على سبيل المثال الكندي ورسالته في الأدوية المشفية من الروائح المؤذية ، وابن سينا وحديثه عن تلوث المياه بشكل عام ، والرازي وحديثه عن عدد من الأوبئة ، وابن مروان الأندلسي وبيانه لموضوع فساد الهواء ، والمطران الدمشقي وتأكيده على ضرورة مراعاة تأثير البيئة في المرض ، ومحمد بن احمد التميمي وكتابه الكامل عن التلوث ، ونذكر أيضًا الزهراوي وبيانه للعلاقة بين المستنقعات وانتشار الأوبئة ، وابن خلدون واعتباره إفساد الهواء من أسباب كثرة الوفاة ، وأختم هذه الأمثلة بابن القيم والفصل الذي عقده عن الطاعون وكيفية التعامل معه وفق الهدي النبوي ودور تلوث الهواء في وجوده حيث يقول:"إن فساد الهواء جزء من أجزاء السبب التام والعلة الفاعلة للطاعون وأن فساد جوهر الهواء الموجب لحدوث الوباء ، وفساده يكون لاستمالة جوهره إلى الرداءة ، لغلبة إحدى الكيفيات عليه ، كالعفونة ، والنتن ، والسمية في أي وقت كان من أوقات السنة وإن كان أكثر حدوثه في أواخر فصل الصيف وفي الخريف غالبًا ، لكثرة اجتماع الفضلات المرارية الحادة وغيرها في فصل الصيف وعدم تحللها في آخره ، وفي الخريف لبرد الجو وردغة الأبخرة والفضلات التي كانت تتحلل في زمن الصيف فتنحصر، فتسخن، وتعفن، فتحدث الأمراض العفنة، ولا سيما إذا صادفت البدن مستعدًا، قابلًا، رهِلًا، قليل الحركة، كثيرَ المواد، فهذا لا يكاد يُفْلِت مِن العطب" [1] .

(1) ... ابن القيم /الطب النبوي تحقيق/ د.عبد المعطي قلعجي/ دار الوعي حلب/ط14/محرم/141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت