الصفحة 32 من 36

والقرآن الكريم يرشدنا إلى أن معرفة الإنسان ذاته معرفة دقيقة، هي المنطلق إلى سائر العلوم والمعارف المختلفة، فإذا أصغينا إلى كتاب الله تعالى علمنا أن الإنسان مخلوق من نوع فريد، أبدعه الله عز وجل، وأنه مهما اتجه وتقلّب يدور في قبضته وتحت سلطانه، وهو يحتاج في كل لحظة إلى عناية الله به ورعايته له. فوجوده يتحدد في كل لحظة بخلق جديد، وأن كل ما يتمتع به من ملكات وصفات أمانة استودعت عنده إلى حين ، وهو منفعل بهذه الصفات وليس فاعلًا لها ، فهو قوي ولكنه لا يدري كيف انسكبت القوة في كيانه ، ولا يدري أي سبيل لاستبقائها عندما تبدأ بالتراجع والذبول .

وهو عاقل يفكّر لكنه لم يغرس هذا العقل في رأسه بجهده أو مشيئته، ولا يملك أن يبقيه إلى أرذل العمر , وهو ينطق ولكنه لا يعلم كيف تكلم ، وينام دون أن يدري كيف نام ويستيقظ ولا يعلم كيف تمت عملية الاستيقاظ ، ويرحل من هذه الحياة دون أن يملك حيال ذلك أي تصرف أو إرادة نافذة ، وهذا معنى قولنا: ( الإنسان منفعل بصفات إنسانيته وليس فاعلًا لها ) .

والسمة الجامعة لكل هذه الظواهر في شخص الإنسان، هي أنه عبد، عبد لمن هو مستقر في قبضته، ولمن يتولى تدبير أمره على النحو الذي يشاء ابتداء ودوامًا وانتهاء ، فصفة العبودية إذن للإنسان لا تكون حقيقة إلا بالنسبة لله عز وجل وهذا هو قرار الله تعالى في بيانه المعجز: { إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا93} لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا {94} وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [1] .

وعلى هذا، فالإنسان لا يتمتع بأية حرية داخلية متعلقة بجوهر الإنسان ، إذ كيف يكون حرًّا وهو عبد..؟ كيف يكون حرًا وهو لا يملك من أمر نفسه شيئًا.

(1) ... مريم: 93-94-95.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت