فهرس الكتاب
وإذا تأملنا جيدًا أدركنا أنه لا ثمن لهذا التحرر إلا الإذعان الصحيح لتلك العبودية ، وقد أبرز القرآن هذا التلازم ببيان صريح، وذلك في قوله عز وجل: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ } [1] .
ومن آثار هذا التلازم ؛ أن تنطوي وتزول مشكلة النقاش والجدل الدائبين حول المذاهب والضرورات التي يتطارحها الناس ليقيد بعضهم بعضًا بها ، وذلك نظرًا لتساويهم جميعًا في الفكر والنظر ، واقتناعهم جميعًا بأن ما يخطه لهم سيدهم ومالكهم من المناهج والسبل هو المذهب السديد الذي لا مناص من اتباعه والحق الذي لا مرية فيه.
إن بوسع كل من يتأمل شرائع الإسلام وقيمه الأخلاقية أن يرى كيف أنها فُصِّلت على قدر ما تتطلبه الفطرة الإنسانية السليمة، لإصلاح حال كل من الفرد والمجتمع وإسعادهما، و أنها تنسق بدقة متناهية بين مصلحتي الفرد والمجتمع دون أن يقع أي إجحاف لأحد الطرفين.
ومن أبرز ما تمتاز به شرائعه القانونية وقيمه الأخلاقية ؛ أنها تدور على محور المصالح الإنسانية في كلا شطري حياة الإنسان: معاشه القصير في الدنيا، ومعاده الطويل في الآخرة.
وأما القيم الأخلاقية فتمتاز بأن أحكامها ثابتة مبرمة، لا مجال فيها لأي تبديل أو تحويل، ولا تتأثر بتطور أو اختلاف العادات ، وحيثما يسود الإسلام عن دراية ووعي ، تستقر القيم الأخلاقية على أساس ثابت لا اضطراب فيه مهما اختلفت الأعراف والأعراق وتباعدت الأقطار أو تبدلت الأزمان.
وأما الشرائع القانونية فتدور بكل جزئياتها المتنوعة على محور المصلحة الإنسانية المنظور إليها من خلال ارتباط المعاش الدنيوي اليوم بالمعاد الأخروي غدًا ، وإنما المقوم لهذه المصلحة هو الله عز وجل.
(1) ... آل عمران: 64.