الصفحة 20 من 45

أما من الناحية الشرعية، فمؤدى هذا التنظيم احتكار الفتوى لهيئة واحدة، وحصر الاجتهاد في أفراد معدودين، وهو خلاف سنة الله الكونية والشرعية، فقد اقتضت سنته الكونية أن الناس -ومنهم العلماء- متفاوتون في المدارك والأفهام؛ ليختلفوا في اجتهاداتهم. واقتضت سنته الشريعية منع التقليد والأمر بالاجتهاد لمن كان قادرًا عليه، بل جعل للمجتهد أجرًا ولو أخطأ، كما قال -عليه الصلاة والسلام-:"إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد" [1] . وقد نص أهل العلم على أن الاجتهاد من فروض الكفايات، وأن حكم المجتهد في المسائل الظنية لا يجوز نقضه في المسائل الاجتهادية. قال الفتوحي:"لا ينقض حكم حاكم في مسألة اجتهادية عند الأئمة الأربعة ومن وافقهم; للتساوي في الحكم بالظن". [2] ومثل هذا الاختلاف الذي لا يزيد الفجوة ولا يؤدي إلى الفرقة محمود. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:"وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها، على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم..ومذهب أهل السنة والجماعة أنه لا إثم على من اجتهد وإن أخطأ" [3] .

وأما من الناحية العملية فلا يتناسب هذا التنظيم مع طبيعة الأعمال المصرفية التي تتغير بشكل متسارع يتعذر معه إسناد إجازتها إلى جهة واحدة.

والحال الثانية: أن يكون لغرض تقريب الفتاوى وضبطها لا توحيدها، فلا يلزم عرض جميع الفتاوى على تلك الهيئة، وإنما تتولى أمرين:

الأول:مراقبة عمل الهيئات الفرعية لضبط الجودة النوعية والتأكد من حسن أدائها، ووضع الآليات المنظمة لذلك.

(1) ... أخرجه البخاري ومسلم من حديث عمرو بن العاص -رضي الله عنه- .

(2) ... شرح الكوكب المنير ص 610. وينظر: البحر المحيط 8/228.

(3) ... مجموع الفتاوى 19 / 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت