فهرس الكتاب
أما من الناحية الشرعية، فمؤدى هذا التنظيم احتكار الفتوى لهيئة واحدة، وحصر الاجتهاد في أفراد معدودين، وهو خلاف سنة الله الكونية والشرعية، فقد اقتضت سنته الكونية أن الناس -ومنهم العلماء- متفاوتون في المدارك والأفهام؛ ليختلفوا في اجتهاداتهم. واقتضت سنته الشريعية منع التقليد والأمر بالاجتهاد لمن كان قادرًا عليه، بل جعل للمجتهد أجرًا ولو أخطأ، كما قال -عليه الصلاة والسلام-:"إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد" [1] . وقد نص أهل العلم على أن الاجتهاد من فروض الكفايات، وأن حكم المجتهد في المسائل الظنية لا يجوز نقضه في المسائل الاجتهادية. قال الفتوحي:"لا ينقض حكم حاكم في مسألة اجتهادية عند الأئمة الأربعة ومن وافقهم; للتساوي في الحكم بالظن". [2] ومثل هذا الاختلاف الذي لا يزيد الفجوة ولا يؤدي إلى الفرقة محمود. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:"وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها، على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم..ومذهب أهل السنة والجماعة أنه لا إثم على من اجتهد وإن أخطأ" [3] .
وأما من الناحية العملية فلا يتناسب هذا التنظيم مع طبيعة الأعمال المصرفية التي تتغير بشكل متسارع يتعذر معه إسناد إجازتها إلى جهة واحدة.
والحال الثانية: أن يكون لغرض تقريب الفتاوى وضبطها لا توحيدها، فلا يلزم عرض جميع الفتاوى على تلك الهيئة، وإنما تتولى أمرين:
الأول:مراقبة عمل الهيئات الفرعية لضبط الجودة النوعية والتأكد من حسن أدائها، ووضع الآليات المنظمة لذلك.
(1) ... أخرجه البخاري ومسلم من حديث عمرو بن العاص -رضي الله عنه- .
(2) ... شرح الكوكب المنير ص 610. وينظر: البحر المحيط 8/228.
(3) ... مجموع الفتاوى 19 / 122.